الإجازة ليست رفاهية، إنها استراتيجية إدارية

الإجازة ليست رفاهية، إنها استراتيجية إدارية

محمد أيت سدي امحمدلايف كوتش، كوتش تطوير مهني وقيادي · 📅 2026/07/31

أعرف الكثير من المؤسسات الحكومية التي يحال بعض موظفيها إلى التقاعد بعد سنوات طويلة من الخدمة، وهم لم يستفيدوا من إجازاتهم السنوية لسنتين أو ثلاث، وكأن حقهم الطبيعي في الراحة قد تبخر بصمت قبل مغادرتهم الحياة المهنية.

وأتذكر خلال مرافقتي لإحدى الشركات الخاصة، كيف كان المدير يتحدث بفخر عن كون فريقه "لم يأخذ إجازة كاملة منذ سنتين"، باعتبار ذلك مؤشرا على الالتزام والتفاني. لكن بعد ثمانية أشهر فقط، استقال ثلاثة من أفضل عناصره خلال أسابيع قليلة. وبالنسبة لي، لم يكن الأمر مفاجئا أبدا.

الإجازة في كثير من مؤسساتنا العربية لا تزال تُعاش بوصفها غياباً لا بوصفها استثماراً. نجد كثيراً أن الموظف الذي يأخذ إجازته يشعر أحياناً بالحاجة إلى تبريرها أو تقصيرها. بينما المدير الذي يُشجّع على الإجازة الكاملة يُعد عملة نادرة.

لكن الأبحاث في علم الإدارة واضحة : الفريق الذي يرتاح بانتظام أكثر إنتاجية، أقل أخطاءً، وأطول بقاءً؛ ليس لأن الراحة "جيدة"، بل لأن الدماغ البشري يعمل في دورات، وتجاهل هذه الدورات لا يُلغيها، بل يُراكمها.

تقول كريستينا ماسلاش، مُطوِّرة مقياس Burnout الشهير : "الموظف المحترق لا يُنتج أقل فحسب، إنه يُلوّث طاقة من حوله". فقد درست ماسلاش الإجهاد المهني عقوداً وتوصلت إلى شيء يتجاهله كثير من المديرين، حقيقة مخيفة، وهي أن الإجهاد معدٍ. يعني هذا أن موظفاً واحداً محترقاً داخل فريق يُؤثر سلباً على أداء ومزاج كل من حوله، حتى من هم في حالة جيدة. وبالتالي فالمدير الذي يُعالج الإجهاد في فريقه لا يحمي موظفاً واحداً بل يحمي الفريق كله.

ما الذي تخسره المؤسسة حين لا يأخذ فريقها إجازة حقيقية؟

🧠 الإبداع يتراجع :

لأن الدماغ المُجهَد يدخل في "وضع البقاء"، فيُنفّذ الروتين، ويتجنب المخاطر، ويُقاوم التغيير. أما الأفكار الجديدة فتأتي من الدماغ المُستريح. فالإبداع يتراجع بنسبة تصل إلى 40% عند الإجهاد المزمن.

⚡ الأخطاء تتضاعف :

الموظف المُرهَق يرتكب أخطاء لا يرى أنه يرتكبها. قراراته تصبح أقل دقة دون أن يلاحظ التراجع في أدائه. أزيد من60% من الأخطاء الإدارية مرتبطة بالإجهاد المتراكم.

🤝 العلاقات تتدهور :

معظم النزاعات في الفرق تتصاعد في فترات الضغط الممتد. فيصبح التواصل بين الزملاء أكثر توتراً، ويتآكل الصبر، وتتحول الاحتكاكات الصغيرة إلى نزاعات حقيقية.

🚪 الكفاءات تغادر :

حسب دراسات Gallup، فإن الإجهاد المزمن هو السبب الأول لمغادرة المواهب. والموظف الأفضل دائماً هم الأقدر على المغادرة، إذ لا يتحمل الإجهاد المزمن، لأن لديه خيارات أخرى.

الإجازة ليست مكافأة على الأداء الجيد، إنما هي شرط للأداء الجيد.

المدير الذي يفهم هذا الفرق لا ينتظر حتى يطلب موظفوه الإجازة، بل يُخطط لها ويُشجع عليها ويُزيل العوائق الثقافية التي تجعل الناس يشعرون بالذنب حين يأخذونها.

والإجازة الجماعية - حين يرتاح الفريق في نفس الوقت - لها قيمة مضافة خاصة : تُعيد ضبط الساعة الجماعية، لأن الجميع يعود بنفس مستوى الطاقة. لا أحد يشعر أن الآخرين "استمروا" بينما هو كان غائباً. كما أن العودة معاً تبني شيئاً من الروح الجماعية لا تستطيع أي جلسة team building أن تُعوّضه.

💬 شارك رأيك
شارك المقال:واتسابXفيسبوكلينكدإن
🎯 أعجبك ما قرأت؟

احجز جلسةً استكشافية مجانية مع محمد أيت سدي امحمد — كاتب هذا المقال.

احجز مع محمد أيت سدي امحمد

أو دع «المُطابِق» يرشّح لك الأنسب

💬 شاركنا رأيك

لا تكتب تفاصيلك الشخصية هنا — الصفحة عامّة. وإن كانت حالتك خاصّة فـاحجز جلسة.

↩︎ كل المقالات