الإشـــــــــــراف المهــــــــــــني فــــــــــــي الكوتشنــــــــــــج: حين لا تكفي الخبرة وحدها
الخبرة في الكوتشنج رصيد مهم، لكنها لا تتحول تلقائيا إلى نضج مهني. والإشراف المهني هو الإطار الذي يضع ممارسة الكوتش الخبير تحت فحص منتظم، فيحول خبرته المتراكمة إلى تعلم يظهر أثره في جلساته.
مفارقة الخبرة
دخل كوتش خبير جلسة الإشراف وهو واثق من تقييمه للحالة: المستفيد يملك هدفا واضحا، لكن الجلسات تتقدم ببطء لأنه «لا يفعل ما يلزم». وحين طلب منه المشرف أن يعرض لحظة محددة من الجلسة، روى أنه قدم للمستفيد ثلاثة خيارات عملية، ثم شرح له الخيار الأكثر منطقية.
سأله المشرف: «ماذا طلب منك المستفيد قبل أن تعرض هذه الخيارات؟». توقف الكوتش، ثم قال: «لم يطلبها، لكنني رأيت أنه عالق». فسأله المشرف: «وما الذي حدث بعد أن شرحت له الخيار الأفضل؟». فأجاب: «وافقني، لكنه لم ينفذ».
كان هذا الكوتش يعرف أن الحل ينبغي أن يبقى ملكا للمستفيد، ويستطيع أن يشرح الفرق بين الكوتشنج والاستشارة. ومع ذلك، حين شعر أن الجلسة بطيئة، انتقل إلى النصيحة، ثم فسر أثر ذلك بضعف التزام المستفيد.
قد تزيد سنوات الخبرة سرعة الكوتش في رؤية ما يعرفه، لكنها لا تضمن أن يرى ما اعتاد ألا يراه.
وفي المسافة بين ما يعرفه الكوتش وما يمارسه فعلا، يعمل الإشراف المهني بوصفه عينا ثانية تفحص الممارسة من خارجها، وتكشف ما يصعب رؤيته من داخل الجلسة.
حاجة الكوتش الخبير إلى الإشراف
يتعرف الكوتش الخبير إلى الأنماط بسرعة، وهذه ميزة حقيقية. لكن السرعة قد تدفعه إلى إغلاق الاحتمالات مبكرا، فيتحول التحليل الذي كان ينبغي أن يبقى فرضية إلى حكم، ويأتي السؤال ليقود المستفيد نحو هذا الحكم بدلا من اختباره.
وتشير أبحاث الخبرة إلى أن طول الممارسة لا يكفي وحده دليلا على جودة الأداء (إريكسون وهارويل، 2019). فمن يكرر السلوك نفسه، بالطريقة نفسها، ويقرأ نتائجه بالتفسير نفسه، تزداد سرعته في تكرار عادته، وقد تبقى جودة عمله على حالها.
ويضاف إلى ذلك أن كل جلسة علاقة يشترك الكوتش في صنعها، فيصعب عليه أن يكون داخل التفاعل ومراقبا محايدا له في الوقت نفسه. ومن هنا تنشأ النقاط العمياء، وهذه أربع منها متكررة:
- النية الحسنة: يفترض الكوتش أن رغبته في المساعدة تضمن أن يكون أثر تدخله مفيدا.
- الخبرة السابقة: يرى في الحالة الجديدة نسخة من حالة نجح معها سابقا، فيقل إنصاته للفروق.
- الانحياز إلى التغيير: يعتبر الحركة نتيجة أفضل دائما، فيصعب عليه احترام قرار البقاء الواعي.
- الحاجة إلى إثبات القيمة: يخلط بين قيمة حضوره وقدرته على تقديم حل أو إحداث لحظة مبهرة.
والخطر الأكبر أن يصبح الاستثناء عادة مهنية مبررة. يقول الكوتش: «قدمت رأيي هذه المرة لأن الموقف عاجل»، ثم تتكرر المواقف العاجلة. لذلك أرى أن نضج الكوتش يقاس بقدرته على تبرير تدخله، والإقرار بخطئه، وتصحيح مساره، وطلب الإشراف عندما لا تكفي رؤيته المنفردة.
الإشراف المهني: تعريفه ووظائفه وحدوده
الإشراف المهني عملية تعاونية وتأملية ومنظمة، يعرض فيها الكوتش مادة من ممارسته كي يراجع نفسه وعمله وعلاقاته وسياقه، وينمي قدرته الشخصية والمهنية والأخلاقية. وقد تكون هذه المادة تسجيلا لجلسة، أو لحظة أربكته، أو قرارا أخلاقيا، أو نمطا يتكرر في عمله. وموضوع الإشراف ممارسة الكوتش في علاقته بالمستفيد، فهو لا يهدف إلى حل حالة المستفيد عن بعد.
وللإشراف ثلاث وظائف تظهر في اللقاء الواحد بنسب مختلفة (بروكتر، 2008، وهوكينز وسميث، 2013):
- الوظيفة التطويرية: تنمي قدرة الكوتش على الملاحظة والتحليل والاختيار، ومعيار نجاحها تغير ملموس في سلوكه داخل الجلسات.
- وظيفة الجودة والمسؤولية الأخلاقية: تفحص حدود الكفاءة والسرية وتعارض المصالح والضرر المحتمل، دون أن يتحول المشرف إلى رقيب يتصيد الأخطاء.
- وظيفة الدعم واستعادة التوازن: تعيد إلى الكوتش توازنه حين يرهقه العمل أو يثقله الانشغال بحالة.
ويتميز الإشراف عن الممارسات القريبة منه. فالتوجيه المهني للكوتش يقيس أداءه مقابل كفاءات أو مستوى مهني محدد، أما الإشراف فيتسع لسؤال أشمل: ماذا يحدث في ممارسة الكوتش، وما الذي يحركها؟ والتدريب ينطلق من نتائج تعلم محددة مسبقا، في حين ينطلق الإشراف من مادة حية في ممارسة الكوتش. والتقييم يصدر حكما يترتب عليه قرار، كالاعتماد أو الترقية، ولا يصح أن يتحول الإشراف إلى تقييم خفي.
وقد تتجاور هذه الأدوار في مسار الكوتش إذا سميت، وتعاقد الأطراف على حدودها وسلطتها ونتائجها. فحين يتضح الدور، يصبح التعلم آمنا، والمساءلة عادلة، والحدود قابلة للحماية.
منهج جلسة الإشراف
تبدأ جلسة الإشراف من السؤال المهني الذي يحتاج الكوتش إلى فحصه، وتحضر تفاصيل الحالة بقدر ما تخدم هذا السؤال. فالشكوى من قبيل «المستفيد لم ينفذ ما اتفقنا عليه» تتحول إلى سؤال إشرافي أدق: كيف تعاملت مع عدم التنفيذ، وما أثر طريقتي في مسؤولية المستفيد؟
ثم يفصل المشرف مع الكوتش بين ما قيل أو فعل، والمعنى الذي نسب إليه. فعبارة «المستفيد قاوم» تفسير، أما «صمت، ثم انتقل إلى موضوع آخر بعد السؤال» فوصف يمكن البدء منه. وفي الإشراف سؤالان لا يغني أحدهما عن الآخر: ماذا فعلت مع المستفيد؟ وماذا حدث في داخلك حتى اخترت هذا التدخل؟
وأقترح في كتابي أداة من خمس خطوات تساعد الكوتش والمشرف على تحويل الخبرة إلى تعلم، هي «دائرة تطور الممارسة». وتبدأ الدائرة بالعودة إلى واقعة محددة يمكن فحصها:
1. الواقعة: ما اللحظة أو العبارة أو السلوك الذي سنراجعه؟
2. الدليل: ماذا حدث فعلا، وما الذي قاله أو فعله المستفيد؟
3. الفرضية: كيف فسر الكوتش ما حدث، وما الافتراض أو الشعور الذي حرك تدخله؟
4. البديل: ما التدخل الآخر الذي كان يمكن اختياره، وما منطقه المهني؟
5. الاختبار: كيف سيجرب الكوتش البديل، وبأي دليل سيعرف أثره؟
وتكتمل الدائرة عندما يعود الكوتش إلى الإشراف بما حدث في التجربة الجديدة. فإذا لم يتغير الأثر، كان ذلك معلومة تستدعي فرضية أدق أو بديلا آخر.
وفي الحالة التي بدأت بها، قادت هذه الخطوات الكوتش إلى رؤية ما حدث: شعر أنه لا يقدم للمستفيد قيمة، وأن الجلسة تضيع، فنقل الحل إلى نفسه، ثم اعتبر موافقة المستفيد تقدما. وكان البديل أن يسأله: «ما القرار المتاح لك الآن وتملك القدرة والإمكانات لتنفيذه؟». وسيعرف أن السؤال أعاد إلى المستفيد ملكية القرار حين يولد خياراته بنفسه، ويختار منها، ويذكر الثمن الذي يقبل تحمله.
ولا يؤتي هذا المنهج ثماره إلا في مساحة آمنة بما يكفي للصدق، ومسؤولة بما يكفي لعدم ترك الأثر الضار بلا فحص، فالخوف من الحكم يدفع الكوتش إلى إخفاء ما يحتاج إلى المراجعة.
الإشراف في السياق العربي
تضيف البيئة العربية إلى ممارسة الكوتشنج تحديات تجعل الإشراف أكثر ضرورة، أبرزها ثلاثة:
- سلطة «الخبير»: كثيرا ما ينتظر المستفيد من الكوتش ما ينتظره من الطبيب أو الأستاذ: تشخيصا ونصيحة. ومع فارق السن أو المكانة قد يوافق احتراما دون أن يقتنع (هوفستيد وآخرون، 2010).
- حفظ ماء الوجه: قد يتجنب الكوتش عرض خطئه أمام زملائه، وقد تحل المجاملة محل التغذية الراجعة الصريحة. لذلك يبني المشرف الأمان قبل التحدي، وقد يبدأ بعرض خطأ من ممارسته هو.
- الجهة الراعية: في كثير من المؤسسات يتوقع المدير الذي مول البرنامج أن يعرف ما يجري في الجلسات، وقد يطلب ذلك بحسن نية. ويحسم العقد هذا التوتر قبل أن يبدأ، فتصل المعلومة إلى المدير عبر المستفيد نفسه أو في لقاء ثلاثي متفق عليه، وتقتصر على التقدم في الأهداف المعلنة، دون كشف محتوى الجلسات.
نحو ثقافة إشراف مهني
أدعو إلى أن يصبح الإشراف ممارسة دورية لدى كل كوتش عربي، يلجأ إليها حين تنجح جلساته كما يلجأ إليها حين تتعثر. فالنجاح نفسه قد يخفي اعتمادا صنعه الكوتش، أو نتيجة نسبت إلى الكوتشنج دون دليل.
ويمكن أن تبدأ المراجعة اليومية بأربعة أسئلة:
- هل الكوتشنج هو التدخل المناسب لهذا المستفيد؟
- من يملك التفكير والقرار داخل الجلسة؟
- ما الدليل على جودة العملية وأثرها؟
- ما الذي تحرك في داخلي وأثر في حكمي؟
وأقترح خطوة عملية أولى: بعد جلستك القادمة، سجل اللحظة المفصلية فيها، واستجابة المستفيد، والفرضية التي وجهت تدخلك، والدليل الذي يؤيدها أو يخالفها، والبديل الذي ستختبره. ثم اعرض ذلك على مشرف تثق به، أو على مجموعة أقران تعمل وفق منهج واضح.
وقد عرضت هذا المنهج وأدواته بالتفصيل في كتابي «الدليل الإشرافي للكوتش الخبير».
فالخطأ الذي نعترف به ونفحصه يمكن أن يصبح بداية مسار أكثر أمانا ونضجا، لنا وللمستفيدين الذين يمنحوننا ثقتهم.
💬 شاركنا رأيك