النبيّ محمد موجهاً ومرشداُ وكوتشاً

النبيّ محمد موجهاً ومرشداُ و"كوتشاً"

محمد أيت سدي امحمدلايف كوتش، كوتش تطوير مهني وقيادي · 📅 2026/08/26 · 👥 16 قارئا

هل يمكن أن نتخيل النبي محمداً صلى الله عليه وسلم وهو يدير جلسة كوتشينغ؟

قد يبدو السؤال غريباً للوهلة الأولى، فالكوتشينغ بمفهومه المعاصر لم يكن موجوداً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح أن نسقط عليه المصطلحات الحديثة إسقاطاً حرفياً. لكن إذا نظرنا إلى بعض أساليبه في الحوار والتربية وبناء الوعي، سنجد شيئاً يستحق التأمل العميق؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يعطي الجواب، ومتى يطرح سؤالاً يجعل الإنسان يكتشف الجواب بنفسه.

كان أحياناً لا يغير الفكرة مباشرة، بل يغير زاوية النظر إليها. وهنا بالضبط تلتقي بعض ممارسات الكوتشينغ المعاصر مع جانب من أسلوبه التربوي صلى الله عليه وسلم. وفي أدبيات الكوتشينغ الحديث، تُعدّ "الأسئلة القوية" جوهر العملية التدريبية؛ فالكوتش الحقيقي لا يُلقّن المتدرَّب إجابات جاهزة، بل يطرح عليه أسئلة تُحرّك وعيه، وتدفعه لاكتشاف الجواب بنفسه، فيكون التغيير نابعاً من الداخل لا مفروضاً من الخارج.

حين نتأمل السيرة النبوية من هذا المنظور وبهذه العدسة، سنكتشف أن النبي صلى الله عليه وسلم مارس هذا الأسلوب بإتقان يسبق علم الكوتشينغ المعاصر بأربعة عشر قرناً؛ فكان "مُعلّماً" حين يلزم التعليم المباشر، و"كوتشاً" حين يقتضي الموقف إعادة صياغة الإدراك وإيقاظ البصيرة.

أولاً: السؤال الذي يعيد صياغة الإدراك

من أبرز تقنيات الكوتشينغ "إعادة التأطير"، أي مساعدة الشخص على رؤية موقفه من زاوية جديدة تكشف له ما كان غائباً عنه.

جاء شابٌّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فزجره الصحابة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ادنُه"، فدنا منه قريباً، فقال: "أترضاه لأمك؟" قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم"، ثم سأله عن ابنته، وأخته، وعمته، وخالته، وفي كل مرة يجيب الشاب بالرفض ذاته. ثم وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدره ودعا له، فما كان الشاب بعدها يلتفت إلى شيء من ذلك.

فلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُجب بـ"هذا حرام" مباشرة، وهو جواب كان سيُقابَل غالباً بالمقاومة الداخلية أو الإقناع الفكري السطحي. بدلاً من ذلك، طرح سلسلة أسئلة متدرجة جعلت الشاب نفسه يستنبط الحكم من داخل منظومته القيمية والعاطفية. هذا بالضبط ما يفعله الكوتش حين يسأل: "لو كان هذا القرار يخص أعزّ الناس عليك، ماذا كنت ستنصحه؟"، فينتقل الوعي من موقع "أنا" الذي يبرر لنفسه، إلى موقع الناظر المحايد الذي يرى الحقيقة بوضوح.

ثانياً: السؤال الذي يُشعل فضول المتلقي ويجعله يطرح السؤال الجوهري

من مهارات الكوتش الراقية أن يُحرّك في المتدرَّب الرغبة في طرح السؤال بنفسه، بدل أن يُملي عليه الأجوبة قبل أن يشتاق إليها.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى". قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".

الجملة الأولى صيغت بطريقة تفتح فجوة معرفية في ذهن السامع؛ فمن الذي يرفض الجنة وهو غاية كل مؤمن؟ هذه الفجوة هي التي دفعت الصحابة لطرح السؤال من تلقاء أنفسهم، فجاء الجواب في اللحظة التي بلغ فيها الفضول ذروته، فرسخ في الأذهان أكثر بكثير مما لو قيل ابتداءً: "من عصاني لم يدخل الجنة".

وفي موقف آخر، قال صلى الله عليه وسلم: "أتدرون من المفلس؟" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا..."، فقد أعاد تعريف مفهوم "الإفلاس" لكنه لم يفرضه، بل انتزع من الصحابة تعريفهم الخاطئ أولاً (وهذا ما يسمى في الكوتشينغ بتفكيك الافتراض)، ثم بنى على أنقاضه المفهوم الصحيح، فصار الفرق بين التعريفين محفوراً في الوعي لا مجرد معلومة عابرة.

ثالثاً: السؤال الذي يُخصّص الجواب بحسب حال السائل

من أسس الكوتشينغ الحديث مبدأ أن "كل متدرَّب حالة فريدة"، وأن الجواب الفعّال هو الجواب المُصمَّم لهذا الشخص بعينه، لا الجواب النمطي الموحّد.

جاء ثلاثة رجال مختلفين، كلٌّ سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "أي الأعمال أفضل؟" أو "دلني على عمل يدخلني الجنة"، فكان الجواب يختلف باختلاف حال السائل ومقامه؛ فمرة كان الجواب "الصلاة على وقتها"، ومرة "بر الوالدين"، ومرة "الجهاد في سبيل الله"، ومرة لرجل شكا قسوة قلبه: "امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين".

هذا التنويع ليس تناقضاً، بل هو جوهر التدريب الفردي؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان "يُشخّص" حال السائل قبل أن يُجيب، تماماً كما يفعل الكوتش حين يسأل نفسه: ما الذي يحتاجه هذا الشخص تحديداً الآن، لا ما الذي يحتاجه الناس عموماً؟

رابعاً: الإيجاز المُركز بدل الإطناب المُشتِّت

من تقنيات الكوتشينغ أيضاً "الجواب المكثَّف" الذي يترك للمتدرَّب مساحة ليُكمل الفهم بنفسه، بدل إغراقه بالتفاصيل.

جاء رجل فقال: أوصني. فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تغضب"، فردد الرجل السؤال مراراً، فكان الجواب ذاته: "لا تغضب".

لم يُلقِ عليه محاضرة في إدارة الانفعال، بل منحه "مفتاحاً" واحداً مكثفاً، وترك له استنباط بقية الأبواب بنفسه. هذا يعكس مبدأ "الحد الأدنى الفعّال" في التوجيه: لا تُعطِ أكثر مما يحتاجه العقل ليتحرك، فالإفراط في التوجيه يُقتل الاكتشاف الذاتي.

خامساً: الصمت كأداة تدريبية

من أبلغ أدوات الكوتش الصمتُ المدروس بعد السؤال؛ فالسكوت يمنح المساحة اللازمة للتفكير العميق.

وقد وردت مواقف عديدة يُمهل فيها النبي صلى الله عليه وسلم صحابته وقتاً قبل أن يُبادر بالجواب، أو يُكرر السؤال عليهم ليستحثّ تفكيرهم قبل أن يتولى الجواب بنفسه، كما في حديث "أتدرون من المفلس" السالف الذكر وكذا حديث "أتدرون ما الغِيبة؟"... فالتكرار والانتظار جزءٌ من الصنعة، لا حشوٌ زائد.

. . .

بخلاصة، حين نُقارن بين هذه المواقف ونماذج الكوتشينغ المعاصرة كنموذج GROW القائم على السؤال المتدرج، أو مبدأ "الاستماع الشمولي" (الإصغاء المستوى الثالث) الذي يقرأ ما وراء الكلمات، أو تقنية "إعادة التأطير"، نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين دوره كمُبلّغ للوحي، ودوره كموجّه يُخاطب كل إنسان بما يناسب استعداده، مستخدماً السؤال بوصفه أداة تُحيي العقل لا تُخدّره.

وهذا الدرس بالغ الأهمية لكل من يعمل في مجال التدريب والتوجيه اليوم؛ فالتأثير الحقيقي لا يُقاس بكمّ المعلومات التي تُلقى على المتدرَّب، بل بمقدار ما يكتشفه هو بنفسه من خلال سؤال في الوقت المناسب، وبالصياغة المناسبة، لمن يستحقّه.

هذا المقال يعبّر عن كاتبه لا عن المنصّة بالضرورة، وكاتبه مسؤول عن دقّته وعن حقوق ما فيه من نصوص وصور.
وما يُنشر هنا للتوعية والتطوير الشخصي، لا بديلا عن استشارة مختصّ.
سياسة النشر
💬 شارك رأيك
شارك المقال:واتسابXفيسبوكلينكدإن
🎯 أعجبك ما قرأت؟

احجز جلسةً استكشافية مع محمد أيت سدي امحمد — كاتب هذا المقال.

احجز مع محمد أيت سدي امحمد

أو دع «المُطابِق» يرشّح لك الأنسب

💬 التعليقات (2)

عبد المجيد رضواني2026/09/13

لا أخفيك أن عنوان المقال قد استفزني في البداية <<النبي كوتشا>>،،، لكن صراحة لما قرأت الموضوع كاملا أعجبتني طريقة ربطك لمواقف النبي صلى الله عليه وسلم بتقنيات الكوتشينغ والتوجيه.
مقال أكثر من رائع يجعل القارئ يغير طريقة تفكيره وينظر لأي موضوع من زوايا متعددة.
تحياتي
الأستاذ عبد المجيد رضواني
مرشد واستاذ التربية الإسلامية

محمد أيت سدي امحمد✍️ كاتب المقال2026/09/14

مرحبا أستاذي،
أعجبني اعترافك وصراحتك وتعليقك اللبق 🙂
لذلك وضعت كوتشا بين مزدوجتين تحفظاً حيث أن هذا المصطلح حديث العهد ولم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
بارك الله فيك وشكرا على تفاعلك الطيب 🙏

لا تكتب تفاصيلك الشخصية هنا — الصفحة عامّة. وإن كانت حالتك خاصّة فـاحجز جلسة.

↩︎ كل المقالات