أن الإنسان بلا حُلمٍ ذكرى إنسان

أن الإنسان بلا حُلمٍ ذكرى إنسان

محمد أيت سدي امحمدلايف كوتش، كوتش تطوير مهني وقيادي · 📅 2026/08/29 · 👥 15 قارئا

عن الحزن ذيَّل بها الشاعر السوري الكبير نزار قباني قصيدته "مدرسة الحب" حين قال : "لم أعرِف أبداً أن الدمعَ هو الإنسان *** أن الإنسان بلا حزن ذكرى إنسان" ، تلك القصيدة التي سمعناها من كاظم الساهر، أيام المراهقة الأولى، ولم نكُ نعلم أنها لنزار حتى درسناها في شعر الغزل أيام الثانوية.. ولم أكن أدري آنذاك ما علاقة الحب بالحزن، أو الحزن بالحب، حتى يجمعهما قباني في قصيدته؟ ولم أكن أدري أيضاً كيف لحب امرأة أن يعلم الإنسان الألم، أن يسافر به إلى مدن الأحزان؟!

ولكني اليوم عن الحلم أكتبها لكَ عزيزي القارئ.. مُختزلة تجارب في مدرسة الحياة.. نعم فقد علمتني الحياة أنَّ الإنسان بلا حلم ذكرى إنسان!

أحلام النوم... بين "فرويد" وعلماء النفس

تحدث كثير من العلماء والإخصائيين عن الأحلام خلال النوم وحاولوا تفسير ماهيتها ودورها في حياة الإنسان، ومنهم من حصر الأحلام في البعد النفسي، كالطبيب الفيلسوف سيغموند فرويد الذي وجّه الانتباه إلى وظيفة الحلم كوسيلة لإشباع الدوافع اللاشعورية، مضيفاً في كتابه "تفسير الأحلام": "إن وظيفة الحلم الرئيسية هي استمرار النوم وحمايته".. ومنهم من قسم الأحلام في المنام إلى أحلام الاكتئاب وأحلام الحزن وأحلام السعادة.. إلخ، حسب الحالة النفسية للنائم، والكثير الكثير قيل وكتب عن أحلام النوم.

أحلام اليقظة... بوابة الآمال والإنجاز

أما ما يهمني في موضوعي فهي أحلام اليقظة، تلك الآمال التي يبني عليها الشخص أهدافه وخططه؛ حيث تحدَّث عنها أكثر المبدعين في العالم من توجهات مختلفة وتخصصات شتى، فلولا الأحلام لضاقت الحياة، ولولا الآمال لغاب الطموح وقلت الإنجازات، وقديماً قال الشاعر أبو إسماعيل الطغرائي في "لامية العجم" بيته المشهور:

أعلل النفس بالآمال أرقبها *** ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

ويرى أنتوني روبنز أن أي إنجاز في حياتنا لا بد أن يكون حلماً في البداية؛ إذ يقول: "إن على كل واحد منا أن يستغرق في الأحلام كل يوم لمدة قصيرة قد تكون لحظات معدودة، وبعد ذلك يمكنه أن يتخذ قراراً بسيطاً يكون هو خطوة البداية نحو تحقيق الحلم أو الهدف الكبير الذي يسعى إليه"، كما يقول أنيس منصور أيضاً: "إن نجاحك يعتمد على أحلامك، ليست الأحلام التي تراها في نومك، وإنما التي في اليقظة ".

الطموح والقراءة... وقود الخيال

ومن الأهمية بمكان أن يكون الإنسان طموحاً كي يحلم، فالطموح لتحقيق أشياء جديدة، والسعي إلى مستوى أفضل في مختلف جوانب الحياة يجعل الشخص يطلق عقله للخيال والأحلام، وأشير هنا إلى أهمية القراءة في بناء الأحلام، كما قال بيل غيتس: "كان عندي الكثير من الأحلام عندما كنت صغيراً، وأعتقد أن هذا مرده بقدر كبير إلى كوني كنت أقرأ كثيراً"، فبالقراءة تتسع المدارك، وكلما اتسع الإدراك لدى الفرد كبر خياله، وبقدر ما يكبر الخيال تتسع بؤرة الرؤية، وتثمر بذلك أحلاماً منقطعة النظير.

الأحلام أداة إبداع وابتكار

تعتبر قوة الأحلام أيضاً من الطرق الإبداعية في التفكير؛ إذ بالأحلام يمكن للإنسان أن يفكر بطرق مختلفة، وينتج حلولاً خلاقة، ونماذج ابتكارية، إما لحل مشكلة معينة واقعية أو لتلبية حاجة مستقبلية، فلولا الأحلام لما فكر عباس بن فرناس بالطيران، ولما ابتُكرت الغواصة، ولما رأينا اليوم الإنسان الطائر، والكثير من الابتكارات العلمية والتقنية.

ويبدو أن بعض الأحلام تستمر مع الزمن، وقد تتوالد لتنتج خيالاً أوسع، فمثلاً فكرة الطيران كانت لعباس بن فرناس الذي حاول ولم يفلح، لكنه أهدى حلمه للأخوين "رايت" اللذين طورا الفكرة وحولاها إلى واقع يحلق في السماء، وفي الأدب انتقلنا من شخصية المحقق "شارلوك هولمز" الخيالية التي ابتكرها الروائي الإسكوتلندي "آرثر كونان دويل" في قصصه المشهورة في الأدب البوليسي إلى شخصية المحقق "كونان" كبطل فيلم الكارتون الياباني الشهير الذي لا تنتهي حلقاته.

حلم يصنع البسمة والثروة

كما أن من الأحلام ما يرسم البسمة ويصنع الثروة، فكلنا نعرف "والت ديزني" كشخصية عالمية قامت فلسفة حياتها على إسعاد الآخرين، ورسم الابتسامة على وجوه الصغار والكبار، من خلال بنائه لمملكة "ميكي ماوس" التي كما يقول الكثير من مختلف الأجيال جعلت العالم مكاناً أفضل.. فقد شكل "ديزني" أثراً بارزاً على الفن العالمي، وكان مبتكراً ويمتلك أكبر المخيلات الخصبة التي عرفها العالم، كما حصل على أكثر من 950 جائزة من جميع الأقطار.

دعوة إلى الحلم الكبير

يقال إن الأعمى لا يرى الأحلام، فأنت أيضاً أيها الإنسان لا تكن أعمى، وافتح عينيك؛ لتنظر بعيداً إلى الأفق، انظر إلى الحياة وسعتها وشساعة الفرص فيها، ولا تكتف بالنظر إلى أرنبة أنفك.. احلم بأشياء عظيمة ولا تجعل مخيلتك تخذلك، واخجل من أحلامك فقط إن كانت تافهة كأن تحلم بوظيفة تضمن لك راتباً تقاعدياً! وإلا فلا فرق بينك وبين من هم فوقك أو من هم دونك من الناحية الاجتماعية، فأحلام الذين ينامون على الريش ليست أجمل من أحلام الذين ينامون على الأرض، كما يقول جبران خليل جبران.

تمسّك بحلمك وواجه التحديات

حتماً ستواجهك تحديات، وقد تتعرض لمضايقات ومن يخيب آمالك، أو قد تشعر بالفتور أحياناً.. لكن لا تستسلم وحول كل تحد إلى درجة من درجات سلم نجاحك، وجدد طاقتك بإعادة ترتيب أحلامك.. وقُم بالأمر على طريقة درويش: "قف على ناصية الحلم وقاتل"، واستثمر وقتك وجهدك في تحقيق آمالك وبلوغ أهدافك، وإلا ستكون ذكرى لا غير.

وفي نظر الروائي البرازيلي باولو كويلو: "لا يستطيع الإنسان مطلقاً أن يتوقف عن الحلم، الحلم غذاء الروح كما أن الأطعمة غذاء الجسم.. نرى غالباً خلال وجودنا أحلامنا تخيب، ورغباتنا تحبط، لكن يجب الاستمرار في الحلم وإلا ماتت الروح فينا".

لذلك، تمسك بأحلامك، واحتفظ بها في قلبك فقد تنمو يوماً وتُزهر، ولا تلتفت إلى الوراء.. إلى من عملهم الوقوف وراء تبخر أحلام ومشاريع الشباب.. لا تخف من المسافة بين الحلم والواقع فبما أن لديك القدرة على الحلم فأنت قادر بإذن الله على تحقيقه، واتبع وصية ستيف جوبز حين خاطب رواد الأعمال قائلاً: "لا تدع ضجيج آراء الآخرين يحجب صوتك الداخلي".. كما ينصحك والت ديزني أيضاً بقوله: "ستتحقق كل أحلامك إذا كنت تملك الشجاعة لمطاردتها"... وتذكر دائماً وأبداً أن الإنسان بلا حلم ذكرى إنسان.

هذا المقال يعبّر عن كاتبه لا عن المنصّة بالضرورة، وكاتبه مسؤول عن دقّته وعن حقوق ما فيه من نصوص وصور.
وما يُنشر هنا للتوعية والتطوير الشخصي، لا بديلا عن استشارة مختصّ.
سياسة النشر
💬 شارك رأيك
شارك المقال:واتسابXفيسبوكلينكدإن
🎯 أعجبك ما قرأت؟

احجز جلسةً استكشافية مع محمد أيت سدي امحمد — كاتب هذا المقال.

احجز مع محمد أيت سدي امحمد

أو دع «المُطابِق» يرشّح لك الأنسب

💬 شاركنا رأيك

لا تكتب تفاصيلك الشخصية هنا — الصفحة عامّة. وإن كانت حالتك خاصّة فـاحجز جلسة.

↩︎ كل المقالات