"أنت تفكر بطريقة مختلفة"... حين يصبح المعلم كوتشاً
لن أنسى أستاذ الرياضيات في المرحلة الإعدادية. كنت متفوقاً في مادته وفي معظم المواد العلمية، بينما كان مستواي في بقية المواد متوسطاً إلى فوق المتوسط قليلاً. لكنه لم يكن يراني مجرد تلميذ يحصل على درجات جيدة؛ كان يرى شيئاً يتجاوز النتائج المدرسية.
كان يشجعني باستمرار، ويمنحني ثقة لم أكن أدرك في ذلك العمر مقدار أثرها. وفي أحد الأيام نظر إليّ وقال جملة ما زالت ترافقني حتى اليوم: "أنت تفكر بطريقة مختلفة، احتفظ بها".
ربما قالها في لحظة عابرة، وربما لم يتوقع أن تعيش معي كل هذه السنوات، لكنها لم تكن مجرد عبارة تشجيعية. فقد أسهمت في تشكيل الطريقة التي أنظر بها إلى نفسي وإلى الأفكار والمشاريع التي أعمل عليها. وكلما وجدت نفسي أمام طريق غير مألوف، أو فكرة تختلف عما اعتاده الناس، عادت تلك العبارة إلى ذاكرتي.
ومع مرور نحو ثلاثة عقود، أدركت درساً بالغ الأهمية : أحياناً لا يحتاج الإنسان إلى خطاب طويل حتى يتغير مساره؛ يحتاج فقط إلى شخص يراه بطريقة مختلفة، ثم يمنحه الكلمات التي تساعده على رؤية نفسه بالطريقة ذاتها. وهنا تكمن واحدة من أعظم وظائف المعلم.
المعلم لا ينقل المعرفة فقط
حين نحتفي باليوم العالمي للمعلم، الذي يصادف الخامس من أكتوبر، فإننا لا نحتفي بمهنة نقل المعلومات من الكتب إلى عقول الطلاب فقط، بل بدور إنساني عميق يمكن أن يمتد أثره عقوداً.
قد ننسى كثيراً من القواعد والمعادلات والدروس التي تعلمناها، لكننا نادراً ما ننسى معلماً جعلنا نشعر بأننا قادرون على التعلم أو التفكير أو المحاولة مرة أخرى.
المعلم المؤثر لا يسأل فقط: ماذا يعرف هذا الطالب؟ بل ينظر أيضاً إلى سؤال أعمق: ماذا يمكن أن يصبح؟
وعندما ينتقل اهتمام المعلم من مجرد تقديم المعرفة إلى اكتشاف قدرات الطالب، وتنمية فضوله، وبناء ثقته، وتعليمه كيف يفكر ويتعلم، فإنه يقترب كثيراً من فلسفة الكوتشينغ.
بين المعلم والكوتش مساحة مشتركة
كلما تعمقت في تجربة الكوتشينغ ازداد اقتناعي بأن هناك مساحة مشتركة واسعة بين المعلم المؤثر والكوتش المحترف؛ فكلاهما لا ينبغي أن يصنع نسخة أخرى من نفسه، بل يساعد الإنسان الذي أمامه على اكتشاف إمكاناته وبناء طريقه الخاص، والوصول لأفضل نسخة منه.
الكوتش لا يفترض أنه يمتلك جميع الأجوبة، والمعلم الحديث لا ينبغي أن يكون مجرد مصدر للإجابات. فكلاهما يصنع أثراً أعمق حين يعرف كيف يطرح السؤال المناسب، وكيف ينصت، وكيف يلاحظ الإمكانات المختبئة خلف السلوك الظاهر.
قد يكون الطالب متردداً، لكن معلماً يرى فيه قدرة على القيادة ويمنحه مسؤولية صغيرة قد يغير صورته عن نفسه. وقد يأتي المستفيد إلى جلسة كوتشينغ وهو يقول: "لا أعرف ماذا أريد"، ثم يساعده سؤال واحد جيد على رؤية ما كان موجوداً داخله لكنه لم يستطع التعبير عنه.
في الحالتين، لا تكمن القوة في إعطاء الإنسان طريقاً جاهزاً، بل في مساعدته على اكتشاف طريقه بنفسه.
أن ترى في الإنسان ما لم يره بعد
ربما تكون هذه إحدى أرقى المهارات المشتركة بين المعلم والكوتش والقائد: ألا تختصر الإنسان في وضعه الحالي.
بدلاً من وصف طالب بأنه ضعيف، يمكن أن نسأل: ما الذي يمنعه من إظهار قدراته؟ وبدلاً من الحكم على شخص بأنه لا يعرف ماذا يريد، يمكن أن نسأل: ما الذي يحتاج إلى اكتشافه حتى تتضح رؤيته؟
المعلم الحقيقي يصبح أحياناً مرآة يرى فيها الطالب إمكانات لم يكن يراها في نفسه، والكوتش يؤدي الدور ذاته دون مبالغة في المديح أو رسم صورة مثالية زائفة. إنها مرآة صادقة تساعد الإنسان على رؤية نقاط قوته ومناطق تطويره، وبناء فهم أوسع وأكثر واقعية لذاته.
وهذا تحديداً ما فعله أستاذ الرياضيات معي. لم يقل إنني الأفضل، ولم يرسم لي مستقبلاً محدداً، بل أشار إلى شيء رآه في طريقة تفكيري، ثم ترك لي مسؤولية الحفاظ عليه وتطويره.
المعلم يشعل الفضول والكوتش يوقظ الأسئلة
ربما لا يكون أفضل معلم مر في حياتك هو الذي أعطاك أكبر قدر من المعلومات، بل من جعلك تغادر حصته وأنت تحمل أسئلة أكثر مما كنت تحمل حين دخلتها.
فالطالب الذي يتعلم كيف يسأل ويبحث ويكتشف، يصبح مع مرور الوقت قادراً على مواصلة التعلم دون وجود المعلم إلى جانبه. وهذه الفكرة نفسها تنطبق على الكوتشينغ؛ فالكوتشينغ الذي يجعل المستفيد معتمداً باستمرار على الكوتش يفقد جزءاً أساسياً من معناه.
أما حين يتعلم المستفيد مراقبة أفكاره، وطرح الأسئلة على نفسه، واتخاذ قراراته باستقلالية، فإن أثر الكوتشينغ يستمر بعد انتهاء الجلسات.
لذا فإن نجاح المعلم يظهر حين يستطيع الطالب أن يتعلم دون وجوده، ونجاح الكوتش يظهر حين يستطيع المستفيد أن يتحرك دون الاعتماد عليه.
من التعليم إلى القيادة
هذه الفلسفة لا تخص المدارس والكوتشينغ فقط، بل تمتد أيضاً إلى الإدارة والقيادة؛ فالمدير الذي يكتفي بإعطاء الأوامر قد يحصل على موظفين ينفذون ما يطلب منهم، أما القائد الذي يجمع بين عقلية المعلم المؤثر والكوتش المحترف فيبني أشخاصاً يفكرون ويتعلمون ويتحملون المسؤولية.
حين يساعد المدير أحد أعضاء فريقه على اكتشاف نقاط قوته، فهو يمارس جزءاً من دور المعلم. وحين يطرح عليه أسئلة تجعله يصل إلى الحل بدلاً من تقديم الحل في كل مرة، فهو يتبنى عقلية الكوتش. وحين يمنحه مساحة للتجربة والخطأ والتعلم، فإنه يبني استقلاليته.
ولعل أقوى القادة ليسوا من يجعلون الآخرين يعتمدون عليهم، بل من يجعلون الأشخاص من حولهم أكثر قدرة على العمل واتخاذ القرار حتى في غيابهم.
إرث لا تقيسه السنوات
هناك معلمون يغادرون مدارسهم، لكنهم لا يغادرون حياة طلابهم. قد تجد أثر كلمة قالها معلم قبل ثلاثين أو أربعين عاماً في قرار يتخذه شخص اليوم، ثم ينتقل الأثر بدوره إلى أبنائه أو طلابه أو موظفيه أو المستفيدين منه.
وهكذا يصبح التعليم أكثر من وظيفة، والكوتشينغ أكثر من جلسة، والقيادة أكثر من منصب؛ فهي جميعاً، بدرجات مختلفة، أشكال من التأثير في الإنسان.
وفي اليوم العالمي للمعلم، ربما لا يكفي أن نقول لمعلمينا شكراً، بل من الجميل أن نسأل أنفسنا: أي جزء مما نحن عليه اليوم ساهم معلم ما في بنائه داخلنا؟ ثم نطرح السؤال الأصعب: هل نفعل الشيء نفسه مع الأشخاص الذين نلتقي بهم اليوم؟
بعد نحو ثلاثة عقود، ما زلت أسمع أحياناً العبارة نفسها: "أنت تفكر بطريقة مختلفة". لكنني اليوم أفهم معناها بصورة أعمق؛ فالتفكير المختلف يبدو قيمة جميلة حين نتحدث عنه، لكنه قد يصبح مزعجاً حين يصطدم بالمألوف، أو يطرح أسئلة لا يرغب الآخرون في طرحها، أو يقترح طرقاً لم نعتد السير فيها.
لذلك لم تعد جملة أستاذي بالنسبة إليّ مجرد ذكرى مدرسية جميلة، بل أصبحت نوعاً من الوصية: أن أفكر، وأن أسأل، وأن أحتفظ بالشجاعة اللازمة لأرى الأشياء من زاوية أخرى مختلفة.
وربما يكون هذا واحداً من أجمل آثار المعلم في حياة تلميذه: أن تنتهي الحصة منذ عقود، بينما يظل صوته معلماً لك حتى اليوم.
💬 شاركنا رأيك