دروس في الكوتشينغ... من قلب الأعراس المغربية
العرس المغربي لا يبدأ ليلة العرس، إنما يبدأ قبلها بأشهر.. بتفاصيل لا تُحصى، تفاصيل تتشابك فيما بينها بطريقة تبدو للناظر الخارجي فوضى، لكن من يعرفها يدرك أن وراء كل تفصيل صغير نظاماً عميقاً ومعنى متوارثاً. الحناء التي تُرسم بيد خبيرة، الكسوات التي تتغير ليلة كاملة، "العمارية" التي تحمل العروس وسط الزغاريد والأنوار، والنكَافة التي تُرافق العروس دون أن تُقرر... كل شيء في العرس المغربي يقول شيئاً لمن يُصغي.
وحين تأملت كل هذا بعيون مختلفة، وأنا أحضر أعراس العائلة والأحباب خلال الصيف، وجدت في العرس المغربي صورة شاملة لما يعنيه الكوتشينغ حقاً.
النكَافة... الكوتش الذي عرفته المغرب منذ القدم
قبل أن يُسمّى الكوتشينغ كوتشينغاً، كانت الأعراس المغربية تعرفه بوجه آخر. فالنكَافة في العرس المغربي ليست مجرد امرأة تُلبس العروس وتُزيّنها، بل هي مرافِقة حقيقية في لحظة انتقال كبرى، حيث تعرف العروس قبل الجميع... ما يُناسبها وما لا يناسبها، متى تُقدّم ومتى تنتظر، كيف تدخل وكيف تجلس وكيف تحمل نفسها في كل لحظة من لحظات ليلة العرس الطويلة.
لكن الأهم من كل ذلك أن النكَافة لا تحتل المركز، بل تبقى في الخلفية حتى يأتي وقتها. وحين يأتي، تقوم بمهمتها وتفعل ما يجب بيدين خفيفتين ثم تتراجع. فالمركز للعروس دائماً، والمجد للعروس دائماً، والنكَافة سعيدة بذلك.
هذا بالضبط ما يفعله الكوتش المحترف... فهو لا يحتل المركز، ولا يسرق الأضواء. إنما يُرافق، ويُهيئ، ويسأل ويُصغي، ثم يتراجع ليترك لعميله الفضاء الكامل لأن يكون بطل مساره وبطل قصته هو.
تعدد الكسوات... التحول ليس حدثاً واحداً
في الأعراس المغربية، لا تلبس العروس كسوة واحدة. إنما تغير الكسوة مرة ومرتين وربما ثلاثاً أو أكثر؛ من تكشيطة إلى قفطان إلى جلابة ملكية وغيرها من الملابس والكسوات المغربية الأصيلة. فكل كسوة تحمل هوية مختلفة، وكل دخلة تقول شيئاً مختلفاً. ومجلس النساء الحاضرات يستقبل كل كسوة بزغرودة جديدة، كأنه يحتفل في كل مرة باكتشاف وجه جديد من نفس الإنسان.
والتغيير الحقيقي في حياة الإنسان لا يختلف عن هذا. فالذين يتوقعون أن التحول يحدث دفعة واحدة، في جلسة واحدة، في قرار واحد، يُفاجأون حين يكتشفون أن الأمر أشبه بتعدد الكسوات، إذ إن كل مرحلة لها وجهها، وكل وجه يستحق احتفاله الخاص. الكوتش الحقيقي لا يبحث عن تحول واحد كبير ونهائي. إنما يُرافق العميل عبر كسواته المتعددة، يحتفي بكل واحدة في وقتها، ويعرف أن ما يبدو في ظاهره تغييراً في الشكل قد يحمل في باطنه تحولاً عميقاً في الهوية.
الحناء... التحضير الصامت قبل الانطلاق
قبل العرس بيوم أو يومين، تُقام ليلة الحناء... وهي لحظة هادئة نسبياً، تجلس فيها العروس وسط من تُحبهم، وعلى يديها تُرسم أشكال تبقى أياماً. فالحناء ليست زينة فحسب، بل هي لحظة تأمل في العتبة. لحظة تقول : ما قبل هذا انتهى، وما بعده لم يبدأ بعد. وفي هذا البينين الهادئ، ثمة شيء يُرسَّخ لا يراه أحد.
الجلسات الأولى في الكوتشينغ تشبه ليلة الحناء. لا إجابات كبيرة، ولا خطط قاطعة، ولا قرارات نهائية. فقط استكشاف هادئ، وأسئلة تُرسم بخطوط خفيفة، واكتشافات صغيرة تبقى في الذاكرة وتُشكّل الأساس. من يتجاوز هذه المرحلة بسرعة يفوّت أثمن ما فيها : الوقوف على العتبة بوعي، والإحساس الكامل بحجم ما على وشك أن يتغير.
«العمارية»... حين تُحمَل العروس في لحظات الانتقال الكبرى
«العمارية» ليست مجرد كرسي مُزيَّن يُحمل على الأكتاف، إنها شيء أعمق من ذلك. في لحظة الدخلة الكبرى، حين تنتقل العروس من مكان لآخر وسط أعين الجميع وزغاريد النساء وضوء الشموع، «العمارية» تقول: هذه اللحظة مختلفة. وهذا الانتقال يستحق أن يُعاش بشكل كامل، لا أن يُمر عليه بهدوء وكأنه لا شيء.
في مسارات الكوتشينغ، ثمة لحظات تشبه ركوب «العمارية»... لحظات يكتشف فيها العميل شيئاً عن نفسه لم يكن يتوقعه، أو يتخذ قراراً طال انتظاره، أو يُغلق باباً كان مفتوحاً بلا فائدة ويفتح آخر لم يكن يُصدّق أن بإمكانه فتحه. هذه اللحظات لا تمرّ عليها مرور الكرام. الكوتش المتمكن يتوقف عندها ويُساعد العميل على أن يشعر بحجمها فعلاً، لا أن ينتقل فوراً للخطوة التالية دون أن يحتفي بما حدث.
أم العروس والأم المربية... من يُرافق ومن يُقرر
في العرس المغربي، تحضر أمهات كثيرات... أم العروس التي تحمل في قلبها كل الفرح وكل القلق في آن واحد، وأم العريس التي تستقبل وتُرحّب. والنساء الكبيرات في العائلة اللواتي يحملن ذاكرة الأعراس السابقة والتقاليد التي يجب أن تُصان... كل واحدة تُحب، كل واحدة تُريد الأفضل، وكل واحدة تعرف طريقتها في التعبير عن ذلك.
لكن رغم كل هذا الحب، من تلبس الكسوة النهائية هي العروس، ومن تختار - في الجوهر - كيف تعيش تلك الليلة هي العروس نفسها. والنكَافة الجيدة تعرف كيف توازن بين كل هذا الحب وبين خدمة العروس نفسها.
هذا التوتر الجميل موجود في الكوتشينغ دائماً. فالعميل يحمل معه أصواتاً كثيرة: ما قاله والداه، ما يتوقعه مجتمعه، ما نصحه به أصدقاؤه. والكوتش لا يُلغي هذه الأصوات ولا يتجاهلها. لكنه يُساعد العميل على سماع صوت آخر كان يُغطّى أحياناً بضجيج الجميع: صوته هو.
الزغاريد... الاحتفاء بكل تقدم مهما كان صغيراً
في العرس المغربي، لا ينتظر أحد النهاية ليحتفل... تنطلق الزغاريد مع كل دخلة، مع كل لحظة جميلة، مع كل تفصيل يستحق الاحتفاء. لا أحد يقول "سننتظر حتى ننتهي ثم نفرح". الفرح يُوزَّع على طول الليلة وليس مُؤجَّلاً لنهايتها.
والكوتشينغ الجيد يعيش هذه الحكمة نفسها، إذ لا ينتظر الكوتش أن يصل عميله لهدفه الكبير النهائي ليقول له: أحسنت. بل يلاحظ التقدم الصغير ويُشير إليه... خطوة صغيرة، وضوح جديد، شجاعة في سؤال لم يكن يطرحه من قبل... إلخ، كل هذا يستحق زغرودة بمعناها الأعمق، وهو الاحتفاء بما هو كائن اليوم ولم يكن بالأمس. لأن الطريق الطويلة تُسلَك خطوة خطوة، وكل خطوة تحتاج ما يُعطيها ثقلها الحقيقي قبل أن تأتي الخطوة التالية.
في النهاية، العرس المغربي درس في المرافقة
في قلب كل هذا الجمال والضجيج والكسوات والأهازيج والفولكلور والطعام والأضواء، ثمة شخص واحد في المركز، تدور حوله كل التفاصيل. ومهمة كل من حوله - النكَافة والأم والموسيقيين وأصحاب «العمارية» وغيرهم - أن يجعلوا تلك الليلة ليلته هو بالكامل.
والكوتشينغ الحقيقي ليس مختلفاً، بكل أدواته ونماذجه وجلساته وأسئلته، يظل شيئاً واحداً في جوهره: إنسان يضع كل طاقته في خدمة إنسان آخر ليعيش لحظة تحوله بالكامل، وليُصبح ما كان يريد أن يُصبح، ويرتدي كسوته التي تناسبه، ويدخل بها إلى مرحلة جديدة من حياته... بزغاريد النجاح، وبخطى واثقة.
💬 التعليقات (2)
جميلة هذه القراءة و الاسقاط و اسلوبك المميز ، لكن فقط اريد ان اقول ان النكافة صارت تفرض رأيها و معاييرها و قواعدها في العرس على العروس و اهل العروس و لا يهمها ما تريده العروس عكس مهمة الكوتش الذي يرافق الشخص و يصغي اليه و لا يغرض عليه شيئا.مودتي
شكرا جزيلا سي محمد على التفاعل والمرور الطيب
نعم يوجد هذا ويوجد هذا... والأمر يقف أيضا عند العميل (العروس) إذا استعانت بخبرة النكافة كمستشارة وليس ككوتش.
تحياتي وجمعة مباركة