من موظف إلى مدرب: كيف تحول خبرتك إلى دورة تدريبية؟
سمعت هذه الجملة مئات المرات من مهنيين ناجحين: «عندي خبرة عشرين سنة، لكني لا أعرف كيف أحولها إلى دورة». والمشكلة ليست في الخبرة، بل في أن الخبرة والدورة شيئان مختلفان: الخبرة أن تعرف، والدورة أن تجعل غيرك يقدر. وبين المعرفة والإقدار مسافة يسقط فيها أكثر الخبراء، فيخرجون بعرض تقديميٍ من ستين شريحة ومتدربين خرجوا معجبين… ولم يغيروا شيئا في عملهم يوم الاثنين.
هذه خمس خطوات عملية أستعملها مع كل مهني يريد أن ينتقل من موقع الخبير إلى موقع المدرب.
أولا: ابدأ من التحول، لا من الموضوع
الخبير يبدأ بسؤال: «ماذا أعرف؟» والمدرب يبدأ بسؤال: «ما الذي سيصير المتدرب قادرا عليه بعد أن يخرج من عندي؟»
اكتب جملة واحدة على هذه الصيغة: «يدخل المتدرّب وهو ــــ، ويخرج وهو قادرٌ على ــــ». إن لم تستطع إكمال الفراغين بكلمات ملموسة، فليس عندك دورة بعد، بل عندك موضوع.
قارن: «دورة في التواصل الإداري» مقابل «تخرج قادرا على إدارة محادثة أداء صعبة مع موظف في عشرين دقيقة دون أن تنكسر العلاقة». الأولى عنوان، والثانية وعد يشترى.
ثانيا: اختر متعلما واحدا بعينه
أخطر إجابة يعطيني إياها المتدرب المحتمَل هي: «دورتي تنفع الجميع». الدورة التي تنفع الجميع لا يشعر أحد أنها له.
تخيّل شخصا واحدا: مدير جديد في شركة متوسطة، عمره 34 سنة، ترقي قبل أربعة أشهر، ويخاف من الجلوس أمام موظف أكبر منه سنا. حين تكتب لهذا الشخص، سيشعر مئة شخص يشبهونه أنك تتحدث إليهم وحدهم.
ثالثا: فكك مهارتك إلى قرارات، لا إلى معلومات
هذه أصعب خطوة، وسببها ما يسمّيه الباحثون لعنة الخبرة: كلما أتقنت مهارة صارت قراراتها لديك تلقائية، فنسيت أنك تتخذها أصلا — فتنقل للمتدرب المعلومات وتنسى أن تنقل له القرارات.
اجلس واسأل نفسك: حين أواجه هذا الموقف، ما القرارات التي أتخذها في الدقائق الأولى؟ ولماذا اخترت هذا دون ذاك؟ ما العلامة التي تجعلني أغير مساري؟
مثال: مدير فريق خبير لا يقول «تواصل بوضوح». هو في الواقع يقرر: هل هذه مشكلة قدرة أم مشكلة دافع؟ ثمّ يقرر: أواجهها الآن أم أنتظر نهاية المشروع؟ ثم يقرر: أفتح المحادثة بسؤال أم بملاحظة؟ ثلاثة قرارات في دقيقتين، يتّخذها دون أن ينتبه — وهي بالضبط ما يحتاج المتدرب أن يتعلمه.
هذه الأجوبة — لا الشرائح — هي مادّتك الحقيقية، وهي وحدها ما لا يجده المتدرب في مقطع مجاني على يوتيوب.
رابعا: ابن التمرين قبل أن تبني الشريحة
القاعدة التي أوصي بها: لكل محور تمرين، ولكل تمرين مخرج يأخذه المتدرب معه. ورقة، جدول، نص محادثة، خطة أسبوع.
اقلب ترتيب عملك: صمم التمرين أولا، ثمّ اكتب الشرح الذي يلزم لأدائه. ستكتشف أن نصف ما كنت تنوي شرحه لم يكن ضروريا، وأن الوقت الذي وفرته كان هو الفرق بين حضورٍ يستمع وحضور يشتغل.
ومقياسك على القاعة ليس رضا الحاضرين ولا تصفيقهم في آخر يوم — بل ماذا فعلوا بعد أسبوعين. اسألهم، فالجواب يصحح دورتك أكثر من أيّ استمارة تقييم.
خامسا: اختبرها صغيرة قبل أن تكبرها
الخطأ الشائع أن يبدأ الخبير ببرنامج من خمسة أيام بثمن مرتفع، ثم لا يجد من يسجل، فيستنتج أنّ «السوق لا يقدر التدريب».
ابدأ بورشة من ثلاث ساعات وثمن في متناول اليد، وقدمها لعشرة أشخاص. ستحصل على ثلاثة أشياء لا يعطيها لك أي تخطيطٍ نظري: معرفة بما يربك المتدربين فعلا، وشهادات حقيقية تسندك لاحقا، ودليل عملي على أن الناس مستعدون للدفع. البرنامج الكبير يبنى على ورشة نجحت، لا على أمنية.
ولاحظ فرقا مهما: المشترك في ورشة بثمن رمزي ليس كالحاضر مجانا. الحضور المجاني يجاملك في التقييم وينصرف، أما من دفع فيطالبك بقيمة ويصارحك بما نقص. أول عشرة دفعوا لك هم أصدق لجنة تحكيم ستجدها، وهم غالبا نواة الدفعة الثانية.
- خطأان يستحقان الانتباه
تسعير بالساعات لا بالنتيجة. حين تحسب ثمنك بعدد ساعات القاعة، فأنت تبيع وقتا، وحين تحسبه بما يوفره التحول على المتدرب، فأنت تبيع نتيجة. المتدرب لا يشتري ساعاتك، بل يشتري ما يستطيع فعله بعدها.
الحشو كدليل على القيمة. إضافة محاور «حتى تبدو الدورة غنية» تضعفها، لأن كل محور زائد يسرق وقت التمرين. المدرب المحترف يعرَف بما حذفه لا بما أضافه.
اختبار سريع قبل أن تعلن
- هل أستطيع كتابة التحول في جملة واحدة؟
- هل أعرف اسم المتعلم الذي أخاطبه ووصفه؟
- هل لكل محورٍ تمرين ومخرج ملموس؟
- هل جربتها على مجموعة صغيرة؟
- هل حذفت شيئا كنت أحبه لأنه لا يخدم التحول؟
خمس نعم؟ أنت جاهز للإعلان. أقل من ذلك؟ عندك عمل يستحق أسبوعا قبل أن تفتح باب التسجيل.
خبرتك لا تحتاج إلى إذن لتصير دورة، لكنها تحتاج إلى إعادة ترتيب: من ما تعرفه أنت، إلى ما يقدر عليه غيرك.
وأنت؟ ما الموضوع الذي تفكّر في تحويله إلى دورة، وما الذي يوقفك؟ اكتبه في التعليقات وسأرد عليك.
💬 التعليقات (4)
مقال مهم لكل من يريد دخول عالم التدريب.
خلال تجربتي الشخصية، كنت مصمما جرافيك وعملت على عدة مشاريع متنوعة، وكان بعض الأصدقاء والمعارف يطلبون مني مرارا وتكرارا تقديم دورة في التصميم الجرافيكي لكني لم أحول تلك الخبرة يوما إلى دورة. ولم أفكر في ذلك قط. عذري أن هناك من هم محترفون ومتخصصون في هذا المجال أكثر مني بكثير.
لذلك أرى أن بعض المجالات خصوصا التقنية لا تحتاج فقط إلى تدريب من مدرب شغوف بالمجال أو هاوي أو غير محترف، لأنها تحتاج إلى معرفة عميقة بخبايا الموضوع.
شكرا للتفاعل الجميل وإثراء الموضوع بما يوضح الفكرة
السلام الأستاذ الدكتور عماد محمد شكراً على المقال المهم القيم.
شخصيا لدي الكثير من التجارب و الخبرات و أود اكتساب المهارات الآليات التي تساعدني على تحويلها لدورات.
وعليكم السلام
شكرا لتفاعلك واهتمامك، وإن شاء الله نراك في الدورة القادمة لنتقاسم الخبرات في تحويل الخبرات إلى دورات تدريبية