حين تصبح حياة الآخرين مقياسًا لحياتنا كيف تستنزفنا المقارنة الاجتماعية في العصر الرقمي؟

د.سعد ابوناركوتش شخصي . لايف كوتش · 📅 2026/10/20

حين تصبح حياة الآخرين مقياسًا لحياتنا

كيف تستنزفنا المقارنة الاجتماعية في العصر الرقمي؟

بقلم: دكتور سعد ابونار

المقدمة | حين يتحول الإعجاب إلى شعور بالنقص

لم تعد المقارنة بالآخرين تحتاج إلى لقاء مباشر أو مناسبة اجتماعية.

يكفي أن نفتح هواتفنا.

خلال دقائق، ننتقل بين عشرات التجارب الإنسانية: نجاحات مهنية، ومناسبات عائلية، وصور سفر، وإنجازات علمية، ومظاهر رفاهية، ولحظات تبدو شديدة السعادة.

نحن لا نشاهد أحداثًا فقط، بل نتعرض باستمرار لمعلومات عن مواقع الآخرين الاجتماعية وإنجازاتهم وأنماط حياتهم.

وقد يحدث أن يبدأ الإنسان يومه وهو يشعر بالرضا عن حياته، ثم يجد نفسه بعد متابعة هذه المشاهد أقل رضا، رغم أن شيئًا لم يتغير فعليًا في ظروفه.

ما الذي تغير إذن؟

ربما لم تتغير حياته… وإنما تغير المعيار الذي يقيس به حياته.

هنا نصل إلى إحدى القضايا المهمة في علم النفس الاجتماعي: المقارنة الاجتماعية.

وهي قضية ليست جديدة، لكن البيئة الرقمية منحتها أشكالًا أكثر كثافة واتساعًا.

أولًا: لماذا نقارن أنفسنا بالآخرين؟

في عام 1954، نشر عالم النفس الاجتماعي ليون فستنغر دراسته النظرية الشهيرة:

A Theory of Social Comparison Processes.

انطلقت النظرية من فكرة أن الإنسان يحتاج إلى تقييم آرائه وقدراته، وأنه قد يلجأ إلى مقارنة نفسه بالآخرين، خصوصًا عندما لا تتوفر معايير موضوعية واضحة تساعده على التقييم.

فإذا أراد شخص معرفة مستوى مهاراته المهنية، فقد يقارن أداءه بأداء زملائه.

وإذا أراد طالب معرفة مدى تقدمه، فقد ينظر إلى نتائج زملائه.

وإذا أراد مدرب تطوير أدائه، فقد يتأمل ممارسات مدربين أكثر خبرة.

إذن، المقارنة ليست سلوكًا سلبيًا بطبيعتها.

بل قد تؤدي وظيفة معرفية واجتماعية مهمة.

المشكلة تبدأ عندما تتحول المقارنة من وسيلة للفهم والتطوير إلى معيار نحكم من خلاله على قيمتنا الإنسانية.

وقد نُشرت نظرية فستنغر في مجلة Human Relations في مايو 1954، وأصبحت أحد الأسس النظرية لدراسة المقارنة الاجتماعية. �

Sage Journals

ثانيًا: ليست كل المقارنات متشابهة

يمكن التمييز بين ثلاثة اتجاهات شائعة للمقارنة الاجتماعية.

المقارنة الصاعدة | حين ننظر إلى من سبقونا

تحدث عندما نقارن أنفسنا بأشخاص نعتقد أنهم أفضل منا في جانب معين.

مثلًا:

موظف يقارن مستواه بزميل حصل على ترقية.

أو باحث يقارن إنتاجه العلمي بباحث أكثر نشرًا.

أو شخص يقارن ظروفه المادية بظروف شخص أكثر ثراءً.

وقد تكون هذه المقارنة مفيدة إذا تحولت إلى مصدر للتعلم.

فنقول:

«ما المهارات التي طورها هذا الشخص ويمكنني تعلمها؟»

لكنها قد تصبح مؤلمة إذا تحولت إلى استنتاج شامل:

«بما أنه وصل إلى هذا المستوى وأنا لم أصل، فأنا شخص فاشل».

الفرق هنا ليس في وجود المقارنة وحدها، بل في معناها النفسي والطريقة التي نستخدم بها نتائجها.

المقارنة الهابطة | حين ننظر إلى من نعتقد أنهم أقل منا

قد يقارن الإنسان نفسه بأشخاص يعتقد أنهم يواجهون ظروفًا أصعب أو يحققون نتائج أقل.

وقد تساعده هذه المقارنة أحيانًا على تقدير بعض الجوانب الإيجابية في حياته.

لكنها قد تصبح غير بناءة إذا استخدمها لتبرير توقفه عن التطور، أو للشعور بالتفوق على الآخرين.

المقارنة الجانبية | حين نقارن أنفسنا بمن يشبهوننا

قد تكون المقارنة بأشخاص متقاربين في الخبرة أو الظروف مفيدة لتقييم مستوى الأداء.

لكن التشابه الظاهري لا يعني التطابق الكامل في الفرص أو الموارد أو المسؤوليات.

ولهذا، فإن السؤال الأهم ليس:

«هل أقارن نفسي بالآخرين؟»

بل:

«بمن أقارن نفسي؟ وفي أي جانب؟ ولماذا؟ وماذا أفعل بنتيجة المقارنة؟»

ثالثًا: كيف غيّرت البيئة الرقمية طبيعة المقارنة؟

في الماضي، كانت المقارنات الاجتماعية تحدث غالبًا داخل دوائر محدودة نسبيًا: الأسرة، والمدرسة، والعمل، والأصدقاء، والمجتمع المحلي.

أما اليوم، فقد أصبح الإنسان قادرًا على متابعة أشخاص من مجتمعات مختلفة، ومستويات اقتصادية متباينة، ومراحل عمرية ومهنية متعددة.

وهنا تظهر مشكلة مهمة.

قد يقارن شاب في بداية مسيرته المهنية نفسه بشخص يمتلك عشرين عامًا من الخبرة.

وقد تقارن أم ظروف أسرتها اليومية بصورة مثالية لأسرة أخرى.

وقد يقارن باحث في بداية مشروعه العلمي إنتاجه بمن أمضى سنوات طويلة في البحث والنشر.

المقارنة هنا قد تبدو مباشرة، لكنها في الحقيقة تتجاهل اختلاف نقطة البداية والموارد والظروف والمسارات الزمنية.

وتضيف المنصات الرقمية عاملًا آخر:

نحن لا نشاهد بالضرورة الحياة كاملة، بل نشاهد محتوى جرى اختياره ونشره وتقديمه للجمهور.

وهذا لا يعني أن ما ينشره الناس غير حقيقي.

بل يعني أن المحتوى المنشور قد لا يمثل جميع جوانب تجربتهم الإنسانية.

فنحن قد نرى لحظة النجاح دون سنوات المحاولة.

ونرى الاحتفال دون الضغوط التي سبقته.

ونرى النتيجة دون الظروف التي ساعدت على تحقيقها.

وهنا قد تصبح المقارنة غير متكافئة.

هذا المقال يعبّر عن كاتبه لا عن المنصّة بالضرورة، وكاتبه مسؤول عن دقّته وعن حقوق ما فيه من نصوص وصور.
وما يُنشر هنا للتوعية والتطوير الشخصي، لا بديلا عن استشارة مختصّ.
سياسة النشر
💬 شارك رأيك
شارك المقال:واتسابXفيسبوكلينكدإن
🎯 أعجبك ما قرأت؟

احجز جلستك مع د.سعد ابونار — كاتب هذا المقال.

احجز مع د.سعد ابونار

أو دع «المُطابِق» يرشّح لك الأنسب

💬 شاركنا رأيك

لا تكتب تفاصيلك الشخصية هنا — الصفحة عامّة. وإن كانت حالتك خاصّة فـاحجز جلسة.

↩︎ كل المقالات