حين يصبح التفكير محاولةً للسيطرة: لماذا لا تمنحنا كثرة التحليل دائمًا وضوحًا أكبر؟

د.سعد ابوناركوتش شخصي . لايف كوتش · 📅 2026/08/25 · 👥 11 قارئا

حين يصبح التفكير محاولةً للسيطرة: لماذا لا تمنحنا كثرة التحليل دائمًا وضوحًا أكبر؟

حين يصبح التفكير محاولةً للسيطرة

هناك لحظة غريبة يعرفها كثير منا.

يحدث موقف يزعجك. ينتهي اللقاء، تغلق المكالمة، يعود كل شخص إلى حياته… لكن عقلك لا يغادر المكان.

تعيد الجملة التي قيلت. تحلل نبرة الصوت. تتخيل ردًا أفضل. ثم تبدأ في محاولة معرفة ما كان يقصده الآخر فعلًا.

وقد يبدو كل ذلك منطقيًا: أنا فقط أحاول أن أفهم.

لكن ماذا لو كنت قد فهمت بالفعل كل ما يمكن فهمه، وما زال عقلك يطالب بالمزيد؟

هنا يظهر فرق بالغ الأهمية بين التفكير الذي يبحث عن معلومة والتفكير الذي يبحث عن يقين.

المعلومة يمكن الوصول إليها أحيانًا. أما اليقين الكامل، خصوصًا في العلاقات والقرارات والمستقبل، فكثيرًا ما يكون مطلبًا لا يستطيع الواقع أن يقدمه لنا.

والاجترار في علم النفس ليس مجرد «التفكير كثيرًا». التعريفات العلمية تركز على الطبيعة المتكررة للأفكار، وعلى صعوبة الانفصال عنها وما قد تسببه من تعطيل للنشاط الذهني الآخر. � وتصف بعض الأدبيات الحديثة التفكير السلبي المتكرر بأنه بناء عابر للتشخيصات يشترك فيه الاجترار والقلق، مع محاولات حديثة لفهم لماذا يفشل العقل أحيانًا في الانتقال من مسار ذهني إلى آخر. �

قاموس APA للاختبارات النفسية

لكن هذا يقودنا إلى سؤال أعمق:

إذا كان التفكير يرهقني ولا يحل المشكلة، فلماذا أستمر فيه؟

إحدى الإجابات الممكنة هي أن التفكير يمنحنا أحيانًا إحساسًا بأننا ما زلنا نفعل شيئًا.

فالاعتراف بأنني لا أعرف لماذا تصرف شخص بهذه الطريقة أصعب من مواصلة تحليله.

والاعتراف بأنني لا أستطيع ضمان نتيجة القرار أصعب من إعادة مراجعته للمرة العشرين.

والاعتراف بأن الماضي لن يتغير أصعب من بناء عشرات السيناريوهات حول ما كان ينبغي أن أفعله.

وهكذا قد تتحول كثرة التفكير إلى بديل نفسي عن مواجهة حدود السيطرة.

لكن المشكلة أن الإحساس بالسيطرة ليس هو السيطرة.

يمكنك أن تقضي ساعة كاملة في تحليل ما يفكر فيه شخص آخر، ولن يمنحك ذلك حق الدخول إلى عقله.

ويمكنك أن تعيد قرارًا سابقًا مئة مرة، ولن تضيف إعادة التفكير معلومة لم تكن متاحة لك وقت اتخاذه.

ويمكنك أن تتخيل المستقبل في عشرين صورة، ولن يتحول الاحتمال إلى يقين.

لذلك ربما لا يكون السؤال المفيد:

كيف أمنع نفسي من التفكير؟

بل:

ماذا أحاول أن أحصل عليه من هذا التفكير؟

هل أحتاج معلومة فعلًا؟

هل هناك قرار لم أتخذه؟

هل هناك فعل أؤجله؟

أم أنني أطلب من التفكير شيئًا لا يستطيع تقديمه: ضمانًا كاملًا بأنني لن أخطئ، أو تفسيرًا نهائيًا للآخر، أو قدرة على تعديل الماضي؟

هذا السؤال يغير العلاقة مع الفكرة.

فإذا كنت تحتاج معلومة، ابحث عنها.

وإذا كنت تحتاج قرارًا، حدد معايير القرار.

وإذا كان هناك فعل ممكن، نفذه.

أما إذا كان المطلوب يقينًا لا يمكن الحصول عليه، فربما لا تحتاج إلى جولة أخرى من التحليل؛ تحتاج إلى أن تتعلم كيف تتحرك مع وجود قدر من عدم اليقين.

وهذه ليست دعوة إلى اللامبالاة أو التوقف عن التأمل.

التفكير مهارة عظيمة عندما يؤدي وظيفته.

لكن النضج النفسي لا يظهر فقط في قدرتنا على التفكير في الأشياء؛ بل كذلك في قدرتنا على إدراك اللحظة التي انتهت فيها فائدة التفكير وبدأ تكراره.

هناك أشياء نفهمها.

وأشياء نحلها.

وأشياء نحتاج أن نقرر بشأنها.

وهناك أشياء لا تعطينا الحياة بشأنها إجابة كاملة.

وفي النوع الأخير تحديدًا، قد تكون الخطوة الأكثر وعيًا هي أن تقول:

«لقد فكرت بما يكفي لاتخاذ خطوتي… ولا أحتاج أن أعرف كل شيء لكي أتحرك.»

وهذا ربما هو أحد الفروق الدقيقة بين السيطرة والمرونة:

السيطرة تقول: لن أتحرك حتى أعرف.

أما المرونة فتقول: سأعرف ما أستطيع… ثم أتعامل بوعي مع ما لا أستطيع معرفته.

وتشير الأدلة العلاجية الحديثة إلى أن التفكير السلبي المتكرر قابل للاستهداف نفسيًا؛ فقد وجدت مراجعة تحليلية منشورة في 2025 أثرًا متوسطًا لصالح تدخلات CBT مقارنة بالمجموعات الضابطة، وكان الأثر أكبر في التدخلات المصممة خصيصًا لاستهداف التفكير السلبي المتكرر. وهذا لا يعني أن كل تفكير متكرر يحتاج علاجًا، لكنه يؤكد أن المسألة ليست مجرد «ضعف إرادة» أو أمر بسيط من نوع «توقف عن التفكير». �

الخلاصة: قبل أن تمنح المشكلة عشر دقائق أخرى من التفكير، لا تسأل فقط: «ما الإجابة؟»

اسأل أيضًا:

«هل توجد إجابة جديدة فعلًا… أم أنني أحاول أن أشعر بالسيطرة على شيء لا أستطيع السيطرة عليه؟»

دكتور سعد ابونار

هذا المقال يعبّر عن كاتبه لا عن المنصّة بالضرورة، وكاتبه مسؤول عن دقّته وعن حقوق ما فيه من نصوص وصور.
وما يُنشر هنا للتوعية والتطوير الشخصي، لا بديلا عن استشارة مختصّ.
سياسة النشر
💬 شارك رأيك
شارك المقال:واتسابXفيسبوكلينكدإن
🎯 أعجبك ما قرأت؟

احجز جلسةً استكشافية مع د.سعد ابونار — كاتب هذا المقال.

احجز مع د.سعد ابونار

أو دع «المُطابِق» يرشّح لك الأنسب

💬 شاركنا رأيك

لا تكتب تفاصيلك الشخصية هنا — الصفحة عامّة. وإن كانت حالتك خاصّة فـاحجز جلسة.

↩︎ كل المقالات