حينما نصمت… هل نكون فعلًا منصتين؟
نحن نتحدث كثيرًا عن فن التواصل، لكننا نادرًا ما نتوقف عند المهارة التي تسبقه وتمنحه قيمته الحقيقية: الإنصات.
فليس كل من يصمت أمامك منصتًا إليك.
قد يصمت وهو يعدّ إجابته، أو يبحث عن حجة، أو يصدر حكمًا، أو ينتظر فقط اللحظة المناسبة ليستعيد الحديث.
أما الإنصات الحقيقي، فهو شيء آخر.
هو أن تمنح الآخر مساحة ليعبّر عن فكرته قبل أن تسارع إلى تفسيرها، وأن تحاول فهم ما يقصده لا ما تتوقع أنه يقصده.
لماذا أصبح الإنصات صعبًا؟
نعيش في زمن تتنافس فيه الأصوات على انتباهنا.
رسائل، إشعارات، اجتماعات، منصات، آراء متلاحقة… حتى أصبح الإنسان حاضرًا بجسده في كثير من الحوارات، بينما ذهنه في مكان آخر.
والنتيجة أننا قد نسمع الكلمات، لكننا نفقد المعنى.
وفي بيئة العمل تحديدًا، يمكن لضعف الإنصات أن يتحول إلى سوء فهم، وقرارات ناقصة، وتوترات كان بالإمكان تجنبها بسؤال إضافي أو دقيقة صمت أو رغبة حقيقية في فهم وجهة النظر الأخرى.
الإنصات ليس موافقة
من الأخطاء الشائعة أن نعتقد أن فهم الآخر يعني الاتفاق معه.
يمكنك أن تنصت باحترام إلى رأي يخالفك تمامًا، دون أن تتنازل عن موقفك.
فالإنصات لا يعني أن تقول: أنت على حق.
بل يعني أن تقول في داخلك: أريد أن أفهم كيف ترى الأمر قبل أن أحكم عليه.
وهذا الفرق البسيط يصنع فارقًا كبيرًا في جودة العلاقات الإنسانية والمهنية.
في الكوتشينغ… ما لا يُقال مهم أيضًا
من أجمل ما يعلّمه الكوتشينغ أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يقدم له إجابة، بقدر حاجته أحيانًا إلى من يمنحه مساحة آمنة يستطيع داخلها أن يسمع نفسه.
لذلك لا ينصت الكوتش إلى الكلمات وحدها، بل ينتبه أيضًا إلى الأسئلة التي يتجنبها الشخص، وإلى التردد، وإلى ما يتكرر في حديثه، وإلى المسافة بين ما يقول إنه يريده وما يكشف عنه كلامه.
فالإنصات العميق لا يبحث فقط عن فرصة للرد، بل يبحث عن فرصة للفهم.
وربما لهذا السبب نشعر بالراحة أمام بعض الأشخاص دون غيرهم؛ ليس لأنهم يملكون أفضل النصائح، بل لأنهم يجعلوننا نشعر بأن صوتنا وصل إليهم فعلًا.
وفي عالم يتسابق فيه الجميع على الكلام، قد تصبح إحدى أجمل الهدايا التي نقدمها للآخرين شيئًا بسيطًا ونادرًا:
أن ننصت إليهم دون استعجال، ودون أحكام مسبقة، ودون أن نحوّل حديثهم إلى حديث عن أنفسنا.
ويبقى السؤال:
عندما يتحدث إليك الآخر… هل تنصت لتفهمه، أم تصمت فقط في انتظار دورك في الكلام؟
💬 التعليقات (4)
مقال رصين وثري بالمضامين.
إذ أن الإنصات الواعي والإصغاء الجيد يعد من أرقى مهارات التواصل، وأكثرها أثرا وإيجابية، وهما الركيزة الأساسية لبناء علاقات إنسانية مثمرة عميقة ناضجة وواعية.
اتبارك الله عليك الأستاذة شفيقة.
بارك الله فيك،أستاذ محمد امشيشو وشكرًا جزيلًا على هذا التعليق الراقي. بالفعل، حين نحسن الإنصات لا نكتفي بسماع الكلمات، بل نمنح الآخر مساحة ليعبّر ويُفهم، ومن هنا تبدأ أجمل العلاقات الإنسانية وأكثرها نضجًا وعمقًا. أسعدني مرورك وإضافتك القيّمة 🌷
كلام موزون ينير العقول وينصحنا ان نحسن اختبار من نتوحه الى من يحسن السماع الينا.
شكراً جزيلاً كوتش حفيظة على كلماتك الطيبة. بالفعل، ليس المهم فقط أن نجد من يسمعنا، بل أن نحسن اختيار من نصغي إليه ومن نأتمنه على حديثنا؛ فالإصغاء الحقيقي حضور واحتواء وفهم، وليس مجرد سماع للكلمات. أسعدني مرورك الراقي وإضافتك القيّمة 🌷