كيف يولد حب التعلم في البيت؟
كل طفل يولد على الفطرة، يحمل فضولاً طبيعياً تجاه العالم من حوله؛ يسأل عن كل شيء، يلمس الأشياء، يحاول ويجرب، يريد أن يكتشف، ويفكك الأشياء أحياناً ليفهم كيف تعمل. تلك الرغبة العفوية في المعرفة هي أول أشكال التعلم الذاتي التي يمارسها الإنسان، قبل أن يعرف حتى معنى كلمة "تعلُّم".
ثم يدخل الطفل إلى المدرسة، وهنا تبدأ الحكاية في أخذ مسارين مختلفين؛ فقد يجد الطفل في المدرسة فضاءً يوسع فضوله، ويشجعه على السؤال والبحث والاكتشاف، فيتعلم أن المعرفة متعة، وأن الكتاب رفيق، وبالتالي يحب التعلم والقراءة كلعبة ممتعة لا يود أن تنقضي.
وقد يجد، في المقابل، نفسه أمام تعليم يقوم أساساً على الحفظ والحشو والتلقين وكثرة الواجبات وصعوبة الاختبارات، فيتحول التعلم تدريجياً إلى التزام ثقيل ينتظر بفارغ الصبر متى ينتهي.
وبين هاذين المسارين يتشكل شيء بالغ الأهمية: علاقة الإنسان بالتعلم.
فإذا كنت ممن خرجوا من المدرسة سالمين من عيوب التعليم النمطي، محتفظاً بفضولك، محباً للقراءة، مدركاً أن ما تعلمته في المدرسة ليس سوى بداية الطريق، فأنت محظوظ حقاً.
لأن أعظم ما يمكن أن تمنحه المدرسة للإنسان ليس كمية المعلومات التي يحفظها، وإنما الرغبة والقدرة على أن يتعلم بنفسه بعد أن يغادر أسوارها.
حب التعلم يبدأ في الطفولة
حب التعلم المستمر من النعم الكبيرة؛ قد تكون هبة من الله لدى بعض الأشخاص بحيث يكون عندهم ميل طبيعي إلى التعلم، لكنه بالنسبة إلى كثيرين عادةٌ يمكن بناؤها وتطويرها منذ السنوات الأولى.
وهنا يأتي دور الأسرة والمربي والمدرسة والبيئة المحيطة بالطفل؛ فالأب الذي يقرأ أمام أبنائه، والأم التي تجعل الكتاب حاضراً في البيت، والمعلم الذي يسمح لتلميذه بأن يسأل ويناقش، والمربي الذي يمنحه فرصة للتجربة والاكتشاف، جميعهم يساهمون في صناعة إنسان محب للمعرفة. لأن الطفل لا يتعلم فقط مما نقوله له، بل يتعلم كثيراً مما يرانا نفعله.
تخيل مشهداً بسيطاً لطفل يلعب في غرفة الجلوس، وأبوه منشغل بكتاب، وأمه تتصفح مقالاً على هاتفها وفجأة تقول بصوت مسموع: "تعرفت اليوم على شيء جديد ومثير". هذا المشهد العابر، الذي قد يتكرر دون أن يلاحظه أحد، يترك في ذهن الطفل رسالة أعمق من أي محاضرة عن أهمية القراءة: أن الكبار أيضاً يتعلمون، وأن التعلم لا يتوقف عند عمرٍ معين.
حين يرى الطفل والده يقرأ، وأمَّه تتعلم، وأخاه يبحث عن معلومة، يصبح التعلم جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية للأسرة، لا نشاطاً مقتصراً على المدرسة.
أما إذا كان يرى الكبار لا يفتحون كتاباً، ولا يتحدثون عن المعرفة إلا باعتبارها مرتبطة بالامتحان والشهادة، فمن الصعب أن نقنعه بأن التعلم متعة تستحق أن تستمر طوال العمر.
إن من أهم الاستثمارات المعطلة التي ينبغي لكل أطراف المنظومة التربوية السهر على إشعال فتيلها لدى الطفل، الاستثمار في التعلم وفي بناء المعارف عن طريق توفير وسائل إبداعية تجعله يحب التقاط حبات المعرفة كحبه التقاط صور "السيلفي" في كل مكان.
البيت أول مدرسة للتعلم الذاتي
عزيزي المربي، هناك فرق شاسع بين أن يكبر ابنك ويجد نفسه محاطاً بالكتب وحين يبحث بينها يجدك، وبين أن يكبر مع وسائل التكنولوجيا من تلفاز وحاسوب وهاتف ذكي وحين تختبر يوما ذكاءه تجده أقل ذكاء من هاتفك!
فمن العيب أن ترى وتسمع في كل منزل معظم وسائل الترفيه واللعب ولا تبصر أدنى وسيلة للتثقيف ولا تسمع ركزاً لأقل منبع يمكنه أن يغذي العقل. ومن العيب أيضاً أن تجد الأسرة وقتاً لكل شيء إلا للقراءة والمطالعة مع أبنائها وتربيتهم على نور العلم والمعرفة.
ليس المطلوب أن تتحول الأسرة إلى مؤسسة تعليمية، ولا أن تكون لديها مكتبة ضخمة... إنما المطلوب أشياء صغيرة، متكررة، وصادقة:
- رف صغير من الكتب المختارة بعناية، حتى لو كان يضم عشرة كتب فقط، أهم من مكتبة كاملة لا يفتحها أحد.
- وقت يومي قصير للقراءة، ولو كان عشر دقائق قبل النوم، يرسخ الفكرة أكثر من جلسة طويلة نادرة.
- حوار عائلي حول ما قرأه الأبناء، سؤال بسيط على مائدة العشاء مثل "ما أطرف شيء قرأته اليوم؟"، يحوّل القراءة من واجب فردي إلى تجربة مشتركة.
- ميزانية للكتب بحسب الإمكانات، فالكتاب هدية تستحق مكاناً في ميزانية الأسرة كما تستحقه الألعاب والملابس.
- مكان مخصص للمطالعة، ولو زاوية صغيرة في غرفة الجلوس، تحمل رسالة ضمنية بأن القراءة لها قيمة وحضور في البيت.
- زيارات للمكتبات والمعارض، تجعل الطفل يرى الكتاب في سياق حي وممتع، لا في سياق المدرسة والواجبات فقط.
- هدايا من الكتب، تُقدَّم بالفرح نفسه الذي تُقدَّم به الألعاب، لا كعقاب أو تعويض.
- والأهم من ذلك كله: اقرؤوا أنتم أيضاً.
فالطفل الذي يكبر محاطاً بالكتب، ويرى والديه يقرآن، غالباً ما يفهم بصورة طبيعية أن المعرفة ليست واجباً مدرسياً، وإنما جزء من الحياة، مثل الطعام والنوم واللعب.
هذه العادات الصغيرة، التي تبدو أحياناً بلا أثر ظاهر في حينها، هي التي تصنع بعد سنوات إنساناً يحمل مع فضوله الفطري رصيداً من الممارسة اليومية للتعلم، رصيد سيحتاجه لاحقاً حين تنتهي المدرسة، ويبقى هو وحده مسؤولاً عن مواصلة الطريق.
💬 التعليقات (4)
راقت لي كثيرا :
عزيزي المربي، هناك فرق شاسع بين أن يكبر ابنك ويجد نفسه محاطاً بالكتب وحين يبحث بينها يجدك، وبين أن يكبر مع وسائل التكنولوجيا من تلفاز وحاسوب وهاتف ذكي وحين تختبر يوما ذكاءه تجده أقل ذكاء من هاتفك!
شكرا لك شيماء على التفاعل.. تحياتي لك
كما ذكرت أستاذي أن تلك الرغبة العفوية في المعرفة هي أول أشكال التعلم الذاتي التي يمارسها الإنسان، يا ريث أن المحيطين بالطفل يحافظون على هذه الرغبة ويشجعونه على التعلم الذاتي والقراءة والاكتشاف والفضول، بدل القمع في البيت وفي المدرسة
صحيح 100%
شكرا جزيلا على تفاعلك أستاذ خالد 👍