كيف يولد حب التعلم في البيت؟

كيف يولد حب التعلم في البيت؟

محمد أيت سدي امحمدلايف كوتش، كوتش تطوير مهني وقيادي · 📅 2026/09/02 · 👥 29 قارئا

كل طفل يولد على الفطرة، يحمل فضولاً طبيعياً تجاه العالم من حوله؛ يسأل عن كل شيء، يلمس الأشياء، يحاول ويجرب، يريد أن يكتشف، ويفكك الأشياء أحياناً ليفهم كيف تعمل. تلك الرغبة العفوية في المعرفة هي أول أشكال التعلم الذاتي التي يمارسها الإنسان، قبل أن يعرف حتى معنى كلمة "تعلُّم".

ثم يدخل الطفل إلى المدرسة، وهنا تبدأ الحكاية في أخذ مسارين مختلفين؛ فقد يجد الطفل في المدرسة فضاءً يوسع فضوله، ويشجعه على السؤال والبحث والاكتشاف، فيتعلم أن المعرفة متعة، وأن الكتاب رفيق، وبالتالي يحب التعلم والقراءة كلعبة ممتعة لا يود أن تنقضي.

وقد يجد، في المقابل، نفسه أمام تعليم يقوم أساساً على الحفظ والحشو والتلقين وكثرة الواجبات وصعوبة الاختبارات، فيتحول التعلم تدريجياً إلى التزام ثقيل ينتظر بفارغ الصبر متى ينتهي.

وبين هاذين المسارين يتشكل شيء بالغ الأهمية: علاقة الإنسان بالتعلم.

فإذا كنت ممن خرجوا من المدرسة سالمين من عيوب التعليم النمطي، محتفظاً بفضولك، محباً للقراءة، مدركاً أن ما تعلمته في المدرسة ليس سوى بداية الطريق، فأنت محظوظ حقاً.

لأن أعظم ما يمكن أن تمنحه المدرسة للإنسان ليس كمية المعلومات التي يحفظها، وإنما الرغبة والقدرة على أن يتعلم بنفسه بعد أن يغادر أسوارها.

حب التعلم يبدأ في الطفولة

حب التعلم المستمر من النعم الكبيرة؛ قد تكون هبة من الله لدى بعض الأشخاص بحيث يكون عندهم ميل طبيعي إلى التعلم، لكنه بالنسبة إلى كثيرين عادةٌ يمكن بناؤها وتطويرها منذ السنوات الأولى.

وهنا يأتي دور الأسرة والمربي والمدرسة والبيئة المحيطة بالطفل؛ فالأب الذي يقرأ أمام أبنائه، والأم التي تجعل الكتاب حاضراً في البيت، والمعلم الذي يسمح لتلميذه بأن يسأل ويناقش، والمربي الذي يمنحه فرصة للتجربة والاكتشاف، جميعهم يساهمون في صناعة إنسان محب للمعرفة. لأن الطفل لا يتعلم فقط مما نقوله له، بل يتعلم كثيراً مما يرانا نفعله.

تخيل مشهداً بسيطاً لطفل يلعب في غرفة الجلوس، وأبوه منشغل بكتاب، وأمه تتصفح مقالاً على هاتفها وفجأة تقول بصوت مسموع: "تعرفت اليوم على شيء جديد ومثير". هذا المشهد العابر، الذي قد يتكرر دون أن يلاحظه أحد، يترك في ذهن الطفل رسالة أعمق من أي محاضرة عن أهمية القراءة: أن الكبار أيضاً يتعلمون، وأن التعلم لا يتوقف عند عمرٍ معين.

حين يرى الطفل والده يقرأ، وأمَّه تتعلم، وأخاه يبحث عن معلومة، يصبح التعلم جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية للأسرة، لا نشاطاً مقتصراً على المدرسة.

أما إذا كان يرى الكبار لا يفتحون كتاباً، ولا يتحدثون عن المعرفة إلا باعتبارها مرتبطة بالامتحان والشهادة، فمن الصعب أن نقنعه بأن التعلم متعة تستحق أن تستمر طوال العمر.

إن من أهم الاستثمارات المعطلة التي ينبغي لكل أطراف المنظومة التربوية السهر على إشعال فتيلها لدى الطفل، الاستثمار في التعلم وفي بناء المعارف عن طريق توفير وسائل إبداعية تجعله يحب التقاط حبات المعرفة كحبه التقاط صور "السيلفي" في كل مكان.

البيت أول مدرسة للتعلم الذاتي

عزيزي المربي، هناك فرق شاسع بين أن يكبر ابنك ويجد نفسه محاطاً بالكتب وحين يبحث بينها يجدك، وبين أن يكبر مع وسائل التكنولوجيا من تلفاز وحاسوب وهاتف ذكي وحين تختبر يوما ذكاءه تجده أقل ذكاء من هاتفك!

فمن العيب أن ترى وتسمع في كل منزل معظم وسائل الترفيه واللعب ولا تبصر أدنى وسيلة للتثقيف ولا تسمع ركزاً لأقل منبع يمكنه أن يغذي العقل. ومن العيب أيضاً أن تجد الأسرة وقتاً لكل شيء إلا للقراءة والمطالعة مع أبنائها وتربيتهم على نور العلم والمعرفة.

ليس المطلوب أن تتحول الأسرة إلى مؤسسة تعليمية، ولا أن تكون لديها مكتبة ضخمة... إنما المطلوب أشياء صغيرة، متكررة، وصادقة:

فالطفل الذي يكبر محاطاً بالكتب، ويرى والديه يقرآن، غالباً ما يفهم بصورة طبيعية أن المعرفة ليست واجباً مدرسياً، وإنما جزء من الحياة، مثل الطعام والنوم واللعب.

هذه العادات الصغيرة، التي تبدو أحياناً بلا أثر ظاهر في حينها، هي التي تصنع بعد سنوات إنساناً يحمل مع فضوله الفطري رصيداً من الممارسة اليومية للتعلم، رصيد سيحتاجه لاحقاً حين تنتهي المدرسة، ويبقى هو وحده مسؤولاً عن مواصلة الطريق.

هذا المقال يعبّر عن كاتبه لا عن المنصّة بالضرورة، وكاتبه مسؤول عن دقّته وعن حقوق ما فيه من نصوص وصور.
وما يُنشر هنا للتوعية والتطوير الشخصي، لا بديلا عن استشارة مختصّ.
سياسة النشر
💬 شارك رأيك
شارك المقال:واتسابXفيسبوكلينكدإن
🎯 أعجبك ما قرأت؟

احجز جلسةً استكشافية مع محمد أيت سدي امحمد — كاتب هذا المقال.

احجز مع محمد أيت سدي امحمد

أو دع «المُطابِق» يرشّح لك الأنسب

💬 التعليقات (4)

شيماء2026/09/13

راقت لي كثيرا :
عزيزي المربي، هناك فرق شاسع بين أن يكبر ابنك ويجد نفسه محاطاً بالكتب وحين يبحث بينها يجدك، وبين أن يكبر مع وسائل التكنولوجيا من تلفاز وحاسوب وهاتف ذكي وحين تختبر يوما ذكاءه تجده أقل ذكاء من هاتفك!

محمد أيت سدي امحمد✍️ كاتب المقال2026/09/13

شكرا لك شيماء على التفاعل.. تحياتي لك

خالد2026/09/27

كما ذكرت أستاذي أن تلك الرغبة العفوية في المعرفة هي أول أشكال التعلم الذاتي التي يمارسها الإنسان، يا ريث أن المحيطين بالطفل يحافظون على هذه الرغبة ويشجعونه على التعلم الذاتي والقراءة والاكتشاف والفضول، بدل القمع في البيت وفي المدرسة

محمد أيت سدي امحمد✍️ كاتب المقال2026/09/27

صحيح 100%
شكرا جزيلا على تفاعلك أستاذ خالد 👍

لا تكتب تفاصيلك الشخصية هنا — الصفحة عامّة. وإن كانت حالتك خاصّة فـاحجز جلسة.

↩︎ كل المقالات