لماذا نحتاج أحيانًا إلى أن نكون «غير متاحين»؟

لماذا نحتاج أحيانًا إلى أن نكون «غير متاحين»؟

د.سعد ابوناركوتش شخصي . لايف كوتش · 📅 2026/09/08

لماذا نحتاج أحيانًا إلى أن نكون «غير متاحين»؟

عن الاستنزاف الناتج عن الاتصال الدائم وحدود الحضور في العصر الرقمي

لم يكن الإنسان في أي وقت سابق متاحًا بهذا الشكل.

رسالة تصل أثناء الإفطار.

إشعار أثناء جلسة عائلية.

مكالمة عمل في المساء.

مجموعة واتساب تتحرك قبل النوم.

خبر عاجل يتبعه آخر، ثم فيديو، ثم تعليق، ثم رسالة تحتاج إلى إجابة.

والمشكلة ليست في الهاتف وحده.

المشكلة أن الاتصال أصبح حالة نفسية مستمرة.

قد تضع الهاتف جانبًا، لكن جزءًا من انتباهك يظل ينتظر شيئًا: رسالة، ردًا، تحديثًا، طلبًا، أو احتمال أن يحتاج إليك أحد.

وهنا يظهر نوع جديد من الإرهاق لا يأتي دائمًا من كثرة ما نفعله، وإنما من صعوبة أن نكون خارج حالة الاستعداد للفعل.

الحضور المستمر ليس حضورًا حقيقيًا

أن تكون متصلًا بالجميع طوال الوقت لا يعني بالضرورة أنك حاضر معهم.

قد تجلس مع أسرتك بينما ينتقل انتباهك بين ثلاثة حوارات رقمية.

وقد تعمل على مهمة واحدة بينما يقاطعها عشرات التنبيهات الصغيرة.

وقد تستريح جسديًا، بينما يظل العقل يتفقد باستمرار ما إذا كان هناك شيء جديد.

في علم الانتباه، للمقاطعة تكلفة؛ فالعقل لا ينتقل بين المهام بلا ثمن. وقد أظهرت دراسات حول attention residue أن جزءًا من الانتباه قد يظل متعلقًا بالمهمة السابقة عندما ننتقل إلى مهمة أخرى، بما يضعف جودة الأداء في المهمة الجديدة.

ولهذا قد لا تكون المشكلة في خمس ثوانٍ استغرقتها لقراءة الرسالة.

المشكلة في ما أخذته الرسالة معها من انتباهك بعد أن أغلقت الشاشة.

من «إمكانية الوصول» إلى «توقع الاستجابة»

هناك تحول اجتماعي أكثر عمقًا.

عندما أصبح الوصول إلى الآخر ممكنًا في كل وقت تقريبًا، بدأ يتشكل تدريجيًا توقع غير مكتوب:

إذا كنت تستطيع أن ترد… فلماذا لم ترد؟

وهكذا قد تتحول التقنية من وسيلة للاتصال إلى معيار نقيس به الاهتمام والالتزام وحتى جودة العلاقة.

رأيت الرسالة ولم تجب.

كنت متصلًا ولم ترد.

نشرت شيئًا ولم تجبني.

لماذا أغلقت هاتفك؟

هنا لم يعد الأمر تقنيًا فقط.

لقد دخلنا إلى علم الاجتماع الرقمي للعلاقات: كيف تعيد التكنولوجيا تشكيل توقعاتنا الاجتماعية عن القرب، والاستجابة، والتوافر، والحدود؟

لكن الإنسان يحتاج إلى مناطق لا يُطلب منه فيها شيء

نحتاج إلى أوقات لا نكون فيها موظفين.

ولا مدربين.

ولا مستشارين.

ولا متابعين للأخبار.

ولا مطالبين بالرد.

بل مجرد بشر يعيشون لحظة لا تحتاج إلى أن تتحول فورًا إلى رسالة أو تعليق أو مهمة.

وهذا ليس رفضًا للآخرين.

إنه تنظيم للحدود.

فالحد النفسي الصحي لا يقول:

«لا أريدك.»

بل يقول:

«لا أستطيع أن أكون متاحًا لك في كل لحظة، وأظل حاضرًا بصورة جيدة عندما أكون معك.»

المفارقة: عدم التوافر قد يحسن جودة الحضور

حين نسمح لأنفسنا بفترات واضحة خارج الاتصال، فنحن لا نستعيد الوقت فقط.

نستعيد تماسك الانتباه.

أن تقرأ دون أن تنتظر إشعارًا.

أن تستمع لشخص دون أن تنظر إلى شاشة.

أن تمشي دون أن تحول الطريق إلى وقت إضافي لاستهلاك المحتوى.

أن تنهي يومك دون أن تجعل آخر ما يدخل عقلك عشرات المطالب والآراء والصور.

دراسات التدخلات المتعلقة بخفض استخدام الهواتف أو الإنترنت تشير إلى أن العلاقة ليست بسيطة ولا ينبغي اختزالها في «الهاتف سيئ»، لكن بعض التدخلات التي تقلل الاتصال المستمر أو استخدام الهاتف الذكي أظهرت فوائد محتملة لبعض مؤشرات الرفاه والانتباه والصحة النفسية.

إذن الهدف ليس الهروب من العالم الرقمي.

فنحن نعمل ونتعلم ونتواصل ونبني علاقات من خلاله.

الهدف أن نستعيد حقًا بسيطًا:

أن نقرر متى ندخل إليه… بدل أن يقرر هو باستمرار متى يدخل إلينا.

دكتور سعد ابونار

هذا المقال يعبّر عن كاتبه لا عن المنصّة بالضرورة، وكاتبه مسؤول عن دقّته وعن حقوق ما فيه من نصوص وصور.
وما يُنشر هنا للتوعية والتطوير الشخصي، لا بديلا عن استشارة مختصّ.
سياسة النشر
💬 شارك رأيك
شارك المقال:واتسابXفيسبوكلينكدإن
🎯 أعجبك ما قرأت؟

احجز جلسةً استكشافية مع د.سعد ابونار — كاتب هذا المقال.

احجز مع د.سعد ابونار

أو دع «المُطابِق» يرشّح لك الأنسب

💬 شاركنا رأيك

لا تكتب تفاصيلك الشخصية هنا — الصفحة عامّة. وإن كانت حالتك خاصّة فـاحجز جلسة.

↩︎ كل المقالات