ما تهاجمه ليس الكوتشنج
ما تهاجمه ليس الكوتشنج
أتحدث عن مهنة لها معاييرها، وعن الصورة التي حلت محلها في أذهان الناس
حين أعرف بمهنتي، يأتيني السؤال نفسه في أغلب المجالس: «يعني أنت تحفز الناس؟»
ولا أصحح للسائل. فالتحفيز علم قائم بذاته. لكن ما يقصده السائل ليس العلم، بل الرجل الذي يرفع صوته فيشجع الناس دون أن يفرق بين ما ينفعهم وما يضرهم. وفي المسافة بين الاثنين تضيع مهنتي.
ومن الناس من يذهب أبعد، فيرى المهنة كلها كلاما بلا أساس. وأنا لا ألومهم. ما وصلهم عن الكوتشنج يستحق أن يرفض، لكنه ليس الكوتشنج.
ما ليس هو:
ليس خطابا تحفيزيا. الخطاب يعطيك حماسا يدوم أسبوعا، والكوتشنج يعطيك قرارا يبقى.
وليس استشارة. الاستشاري يعطيك الحل من خبرته، والكوتش يستخرج الحل من عندك.
وليس علاجا نفسيا. وهنا يخطئ كثيرون حين يقولون إن العلاج للماضي والكوتشنج للمستقبل. الفرق ليس في الزمن. العلاج ممارسة إكلينيكية مرخصة، تشخص وتعالج. والكوتشنج لا يشخص ولا يعالج، والكوتش المحترف يعرف متى يخرج الأمر عن نطاقه، فيحيل.
ما هو الكوتشنج:
يعرفه الاتحاد الدولي للكوتشنج (ICF) بأنه شراكة مع العميل، تحفز تفكيره ليبلغ أقصى ما يستطيع.
والكلمة المفتاح: شراكة. لا خبير يعلو على سائل.
الدور الذي يجهله الناس
الكوتشنج لا يزيد معرفتك. ينقل معرفتك إلى الفعل.
انظر حولك. أكثر من يعرفون ما يجب فعله لا يفعلونه. المدير يعرف أن عليه أن يفوض. الأب يعرف أن ابنه يحتاج من يستمع إليه لا من ينصحه. المعرفة موجودة، والفعل غائب.
هذه المسافة بين ما نعرفه وما نفعله هي أغلى مسافة في حياة الإنسان والمؤسسة. وفيها يعمل الكوتشنج، بثلاثة أشياء:
يرفع جودة تفكيرك. يقول السير جون ويتمور، أحد مؤسسي المهنة، إن الكوتشنج هو أن تساعد الإنسان على التعلم، لا أن تعلمه. ولهذا تقاس الجلسة بما اكتشفه العميل، لا بما قاله الكوتش.
يريك ما يعيقك من الداخل. صاغها تيموثي جالوي في معادلة: الأداء يساوي طاقتك ناقص التشويش الذي في رأسك. والكوتش لا يدفعك إلى الأمام، بل يريك ما الذي يشدك إلى الخلف.
يجعلك مسؤولا أمام أحد. بنى مارشال جولدسميث منهجه كله على هذا: ما يصنع التغير هو المتابعة، لا اللحظة التي تقرر فيها. سؤال ثابت كل أسبوعين: ما الذي قلت إنك ستفعله؟ وماذا حدث؟
ولمن هو؟
الكوتشنج ليس للمنهار، بل للمتوقف. أعلى عائد له عند من يعمل جيدا وتوقف عن التقدم.
وفي المؤسسات الأمر أوضح: ننفق على التدريب أضعاف ما ننفق على المتابعة. التدريب ينقل المعرفة، والكوتشنج ينقلها إلى السلوك. والمؤسسة التي تدرب ولا تتابع تدفع مرتين.
وما يجعلها مهنة
حين يستطيع أي أحد أن يكتب «كوتش» على صفحته، يحكم الناس على المهنة بأضعف من يمارسها للأسف.
ولهذا لم يعد الاعتماد ترفا: عقد واضح، وحدود معروفة، وسرية مطلقة، ومدونة أخلاقيات معتمدة. هذا هو الفرق بين مهنة ومحادثة.
في الأخير
الكوتش لا يمشي عنك الطريق ولا يحملك فيه. هو الذي يجعلك ترى أنك واقف، ثم يسألك سؤالا يجعل الوقوف مستحيلا.
هذا هو الكوتشنج.
أما ما يهاجمه الناس، فشيء آخر. ونحن أول من يرفضه معهم.
د. عماد محمد
خبير الكوتشنج، مؤسس منصة الكوتش الرقمي
💬 التعليقات (2)
بالتأكيد، بل أرى أن التعليق المختصر سيكون أكثر تأثيرًا على المدونة. إليك صياغة موجزة وقوية:
مقال يضع النقاط على الحروف. فالكثير مما يُنتقد ليس الكوتشنج الحقيقي، بل ممارسات خاطئة تُنسب إليه. عندما نفهم الكوتشنج بمنهجه المهني القائم على الوعي وتمكين الإنسان، ندرك قيمته الحقيقية. كل التقدير للدكتور عماد محمد على هذا الطرح الرصين.
شكرا للا شفيقة على التفاعل والإثراء