ماذا علّمني الصيف عن الإدارة والقيادة؟

ماذا علّمني الصيف عن الإدارة والقيادة؟

محمد أيت سدي امحمدلايف كوتش، كوتش تطوير مهني وقيادي · 📅 2026/09/04 · 👥 17 قارئا

لم أكن أظن، وأنا أستعد هذا الصيف للسفر، أن بعضاً من أهم الدروس التي سأعود بها لن تكون في حقيبتي، ولا في الصور التي التقطتها، ولا حتى في الأماكن التي زرتها... بل ستكون في أشياء بسيطة جداً : في طريق لم أخطط له، وفي جلسة عائلية امتدت أكثر مما توقعت، وفي حديث عابر مع شخص التقيته صدفة، وفي لحظة جلست فيها أتأمل منظراً جميلاً دون أن أكون مستعجلاً.

خلال هذا الصيف، تنقلت بين أماكن كثيرة والتقيت وجوها شتى، جنوباً من تيشكا بالحوز إلى واحات ورزازات وقصباتها، ثم الجديدة والوالدية وأسفي، ثم شمالاً نحو العرائش وتطوان والسطيحات والجبهة... وغيرها من المحطات التي جعلتني أكتشف من جديد أن السفر ليس انتقالاً من مكان إلى آخر فقط، بل السفر انتقال من ثقافة إلى أخرى ومن طريقة تفكير إلى أخرى، وكما أقول منذ زمن أن السفر سياحة وثقافة.

ومع العودة إلى العمل، بدأت أكتشف أن الصيف كان بالنسبة إليّ درساً إدارياً مفتوحاً، لكن بلا قاعة تدريب، ولا عروض رسمية، ولا شهادات في النهاية. وإليكم بعض الدروس التي عدت بها من هذا الصيف :

الدرس الأول: ليس كل طريق خاطئاً

خلال السفر، قد تخطئ الطريق، أو تفوتك وجهة كنت تخطط لها، أو تجد نفسك في مكان لم يكن في برنامجك أصلاً. وقد تشعر بالانزعاج في البداية، ثم تكتشف أن الطريق الذي لم تخطط له قادك إلى منظر لم تكن ستراه، أو إلى قرية لم تكن تعرفها من قبل، أو إلى لقاء سيصبح لاحقاً جزءاً من أجمل ذكريات الرحلة... وهنا أدركت من جديد أنه ليس كل ما يخرج عن الخطة فهو بالضرورة خطأ.

في الإدارة أيضاً، نميل أحياناً إلى الاعتقاد بأن المدير الجيد هو الذي يعرف كل شيء ويتحكم في كل شيء. لكن الواقع مختلف تماماً؛ فالمدير الجيد ليس من يمنع المفاجآت، بل من يستطيع التعامل معها عندما تحدث.

كما أن القائد الحقيقي لا يحتاج دائماً إلى أن يعرف الطريق كاملاً؛ إنما يكفي أن يمتلك القدرة على التقدم عندما تتغير الخريطة. فأحياناً، يحتاج الفريق إلى مدير يقول: "لا أعرف بعد… فلنكتشف الأمر معاً"، وهذه ليست علامة ضعف، بل علامة نضج.

الدرس الثاني: بعض أفضل الحوارات تبدأ عندما لا يكون لديك شيء تريد قوله

في العطلة الصيفية، تتغير علاقتنا بالناس، فنجلس مع قريب لم نره منذ مدة، ونلتقي شخصاً في الطريق، ونتبادل الحديث مع أحد أبناء المنطقة، أو نصغي إلى قصة إنسان لا نعرفه.

والأجمل أننا لا نكون في عجلة من أمرنا، ولا ننتظر نهاية الحديث حتى نرد، ولا نفكر في الاجتماع التالي، ولا نبحث عن فرصة لإثبات أننا نعرف أكثر... إنما نستمع فقط. وهنا اكتشفت أن الاستماع الحقيقي يحتاج إلى مساحة وهدوء أكثر مما يحتاج إلى مهارة.

في العمل، قد نجلس أمام أحد العاملين معنا ونقول له: "أنا أسمعك". لكن هل نسمعه فعلاً؟ هل نسمع ما يقوله؟ أم نسمع فقط ما نريد أن نسمعه؟

ففي كثير من الأحيان، تبدأ القيادة من سؤال بسيط: ماذا يمكن أن أتعلم إذا استمعت وأنصت للطرف الآخر بدل أن أتكلم؟

الدرس الثالث: البطء ليس عدواً للإنتاجية

من أجمل ما في الصيف أن الساعة تفقد شيئاً من سلطتها علينا، فجلسة شاي يمكن أن تمتد طويلاً، وغذاء عائلي لا ينتهي بسرعة، وقد نقوم بنزهة بلا هدف محدد، ونستمتع بحديث يمتد من موضوع إلى آخر، ولحظة تأمل في منظر طبيعي لا تحتاج إلى أي تفسير... وفي البداية، قد نشعر أننا "نضيّع الوقت"، لكن بعدها نكتشف أننا لا نضيّعه… بل نستعيده.

في العمل، أصبحنا نربط السرعة دائماً بالإنتاجية، حيث نريد اجتماعات أقصر، ورسائل أسرع، وقرارات فورية، ومهاماً تنتهي قبل موعدها... لكن بعض القرارات المهمة تحتاج إلى شيء لا تمنحه لنا السرعة وهو التوقف وترك مسافة.

فالمدير الذي لا يمنح نفسه وقتاً للتفكير قد يكون مشغولاً جداً... لكنه ليس بالضرورة شخصاً منتجاً.

الدرس الرابع: أن تثق بالآخرين جزء من القيادة

في السفر، لا تستطيع أن تفعل كل شيء بنفسك، فتعتمد على السائق، وعلى المرشد السياحي، وعلى المضيف، وعلى أهل المكان، وتقبل أن هناك أشياء يعرفها الآخرون أكثر منك... وهذا درس مهم جداً في الإدارة.

كم من مدير يريد أن يفوض، لكنه يريد في الوقت نفسه أن تتم الأمور بالطريقة نفسها التي كان سينفذها بها هو! وهذا ليس تفويضاً حقيقياً. إنما التفويض الحقيقي يعني أن تمنح الشخص المسؤولية والثقة ومساحة مرنة للحركة. فليس مطلوباً أن يفعل الآخرون الأشياء بطريقتك، لكن المهم أن يصلوا إلى النتيجة المطلوبة، وربما بطريقة أفضل من طريقتك.

وكلما كبر الفريق أو المشروع أو كلاهما، سيصبح من المستحيل أن تكون أنت من يعرف ويفعل ويتابع كل شيء. لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المدير ليس: "كيف أستطيع أن أفعل كل شيء؟"، بل: "كيف أبني فريقاً يستطيع أن يفعل أشياء كثيرة من دون أن ينتظرني في كل خطوة؟".

الدرس الخامس: الإنسان يحتاج إلى أن يعيد شحن نفسه

هناك لحظات في الصيف لا تنتج شيئاً بالمعنى التقليدي؛ فانتظار شروق الصباح أو غروب الشمس مساءً، والاستمتاع بجلسة عائلية، ومشاهدة منظر لجبال الأطلس أو سماء مليئة بالنجوم، واحتساء كأس شاي في مكان هادئ وسط الحقول، وضحكة طفل في الشاطئ، وصورة قديمة تعيد إليك ذكرى جميلة... كلها مشاهد ومواقف وأمور لا تظهر في مؤشرات الأداء، ولا تدخل في تقريرك السنوي، ولا يمكن قياسها في جدول Excel.

ومع ذلك، ربما تكون من أكثر الأشياء أهمية، لأن الإنسان لا يستطيع أن يعطي باستمرار إذا لم يمنح نفسه فرصة للاسترجاع. والمدير الذي يستنزف نفسه طوال الوقت قد يستمر في إدارة فريقه... لكن ببطارية فارغة.

لذلك، أصبحت أؤمن أكثر بأن العناية بالطاقة ليست ترفاً، بل جزء من المسؤولية المهنية. فنحن لا نحتاج فقط إلى إدارة الوقت، إنما نحتاج أيضاً إلى إدارة طاقتنا، وانتباهنا، ومشاعرنا، وعلاقتنا بالحياة.

أخيراً…

ربما تكون هذه هي المفارقة الجميلة في العطلة: نذهب إليها ونحن نظن أننا نبتعد عن العمل... ثم نعود منها بأفكار تجعلنا أفضل في العمل والحياة.

لقد علّمني الصيف مرة أخرى أن بعض الدروس لا نجدها في الكتب، ولا في الدورات التدريبية، ولا في قاعات الاجتماعات. بل نجدها في الطريق، وفي الناس، وفي العائلة، وفي الطبيعة، وفي لحظات الصمت.

ولهذا، ربما لا يكون السؤال عند نهاية العطلة: "ماذا أنجزتَ خلالها؟"، بل السؤال الأهم: "ماذا تغيّر في داخلك خلالها؟".

هذا المقال يعبّر عن كاتبه لا عن المنصّة بالضرورة، وكاتبه مسؤول عن دقّته وعن حقوق ما فيه من نصوص وصور.
وما يُنشر هنا للتوعية والتطوير الشخصي، لا بديلا عن استشارة مختصّ.
سياسة النشر
💬 شارك رأيك
شارك المقال:واتسابXفيسبوكلينكدإن
🎯 أعجبك ما قرأت؟

احجز جلسةً استكشافية مع محمد أيت سدي امحمد — كاتب هذا المقال.

احجز مع محمد أيت سدي امحمد

أو دع «المُطابِق» يرشّح لك الأنسب

💬 شاركنا رأيك

لا تكتب تفاصيلك الشخصية هنا — الصفحة عامّة. وإن كانت حالتك خاصّة فـاحجز جلسة.

↩︎ كل المقالات