ماذا يتعلم المدراء والقادة من العودة المدرسية؟
في كل عودة مدرسية، هناك دروس في القيادة لا تُكتب في كتب الإدارة، بل تُرى في عيون الأطفال وفي دفاترهم الجديدة وفي الطريقة التي يستقبل بها المعلم أو الأستاذ تلاميذه.
في صباح جميل من صباحات شهر شتنبر، يقف طفل صغير أمام بوابة المدرسة، يحمل حقيبةً تبدو أحياناً أكبر من قامته، ويمسك بيد أبيه أو أمه، بينما تتوزع على وجهه مشاعر متناقضة: شعور الحماس لبداية سنة جديدة، وشعور الفضول لاكتشاف ما ينتظره، وربما مشاعر خوف صغير من أستاذ جديد أو قسم لا يعرفه.
قد يبدو المشهد عادياً، ويتكرر كل سنة، لكنه يحمل سؤالاً يستحق أن يتوقف عنده كل مدير وقائد وكوتش: كيف نستقبل نحن أيضاً الأشخاص الذين يدخلون مؤسساتنا وهم يحملون مزيجاً من الطموح والقلق؟
فالعودة المدرسية ليست مجرد انتقال من عطلة إلى دراسة، كما أن العودة المهنية ليست مجرد استئناف للعمل بعد الإجازة. كلاهما لحظة لإعادة بناء علاقتنا مع المكان ومع الآخرين ولحظة أيضاً لبناء طموحنا للمستقبل.
ومن هنا يمكن أن نتأمل بعض الدروس التي تمنحنا إياها المدرسة، لا باعتبارها مؤسسة للتعليم فقط، بل باعتبارها فضاءً مبكراً لتشكيل الشخصية وبناء الثقة وتعلم المسؤولية.
الدرس الأول: الدفتر الجديد يذكرنا بأن كل بداية تحمل فرصة
من أجمل ما في العودة المدرسية ذلك الدفتر الجديد: صفحات بيضاء لم تُملأ بعد، لا أخطاء فيها، ولا ملاحظات حمراء، ولا أحكام مسبقة. إنه دفتر يمنح الطفل فرصة نفسية ليخاطب نفسه ويقول: هذه سنة جديدة، ويمكنني أن أكون أفضل.
وفي الحياة المهنية، نحتاج نحن أيضاً إلى هذه المساحة الرمزية؛ فكثيراً ما يدخل الموظف سنة جديدة وهو لا يزال يعيش تحت تأثير أخطاء السنة الماضية، أو تقييم قديم، أو صورة تشكلت عنه في ذهن مديره... لكن القيادة الناضجة لا تختزل الإنسان في ماضيه، ولا تجعل الخطأ السابق هوية دائمة له.
من منظور الكوتشينغ، لا يبدأ التطور الحقيقي بسؤال: لماذا فشلت؟ فقط، بل بسؤال: ماذا تريد أن تبني انطلاقاً مما تعلمته؟
لذلك، قد يكون من المفيد أن يبدأ المدير السنة مع فريقه بسؤال مختلف عن الأسئلة التقليدية وهو: ما الشيء الذي نريد أن نكتبه بشكل مختلف في دفتر هذه السنة؟ فالبداية الجديدة ليست إنكاراً للماضي، بل تحويلٌ لتجربته إلى وعي وقرارات وسلوك أفضل.
الدرس الثاني: المعلم الجديد يعلّمنا أن القيادة تبدأ من أول نظرة
يتذكر كثير من الناس أول يوم لهم مع أستاذ جديد، لا لأنهم حفظوا كل ما قاله، بل لأنهم يتذكرون كيف جعلهم يشعرون.
هل كان مرحباً؟ هل منحهم الأمان؟ هل نظر إليهم باعتبارهم مجرد أسماء في لائحة، أم باعتبارهم أشخاصاً لديهم قدرات ومخاوف وأسئلة؟
في المؤسسات أيضاً يحدث الشيء نفسه مع الموظف الجديد... قد تكون إجراءات الاستقبال مكتملة، والوثائق جاهزة، والمكتب محدداً، لكن السؤال الأهم يظل: كيف جعلناه يشعر في يومه الأول؟
هل خرج وهو يشعر بأنه أمام فرصة، أم أمام امتحان؟ هل شعر بأنه جزء من فريق، أم مجرد رقم جديد في الهيكل التنظيمي؟
هنا يلتقي القيادة بالكوتشينغ؛ فكلاهما يدرك أن العلاقة الإنسانية ليست تفصيلاً جانبياً، بل شرطاً أساسياً للتعلم والعطاء. فالمدير الذي ينجح في تخفيف الخوف، وفتح باب الحوار، وإشعار الموظف بقيمته، لا يهيئه للعمل فقط، بل يهيئه للنمو.
الدرس الثالث: فترة الاستراحة تذكّرنا بأن العلاقات ليست وقتاً ضائعاً
في المدرسة، قد تبدو فترة الاستراحة وكأنها انقطاع عن التعلم. لكن الطفل خلالها يتعلم أشياء لا يجدها دائماً في الكتاب: كيف يتفاوض، وكيف يشارك، وكيف يختلف، وكيف يصالح، وكيف يكتشف مكانه بين الآخرين.
وفي عالم العمل، توجد أيضاً "فترات استراحة" قد لا تظهر في جداول الإنتاج، لكنها تصنع الكثير من مقومات النجاح : فنجان قهوة بين زميلين، حديث عابر في الممر، وجبة جماعية، أو لقاء غير رسمي لا يحمل جدول أعمال... كلها لحظات يمكن أن تبني الثقة وتفتح قنوات التواصل.
وحين تختزل المؤسسة كل شيء في الاجتماعات والمؤشرات والمهام، قد تحقق انضباطاً ظاهرياً، لكنها تخاطر بإضعاف ما يمكن تسميته رأس المال الاجتماعي؛ وهو ذلك الرصيد من الثقة والعلاقات الذي يجعل التعاون ممكناً، خصوصاً عندما تشتد الضغوط.
ومن منظور الكوتشينغ، لا يمكن أن نطلب من الناس أن يتعاونوا بعمق، وأن يتقاسموا المعرفة، وأن يواجهوا المشكلات بشجاعة، إذا لم نوفر لهم مساحة يشعرون فيها بأنهم بشر قبل أن يكونوا موظفين.
فالفريق لا يتماسك فقط حول الأهداف، بل يتماسك أيضاً حول العلاقات التي تجعل تحقيق تلك الأهداف ممكناً.
. . .
ربما لهذا السبب تستحق العودة المدرسية أن تكون مناسبة للتأمل في القيادة؛ فهي تذكرنا بأن التعلم يبدأ بالشعور بالأمان، وبالعلاقة مع المعلم، وبالقدرة على الخطأ، وبالتفاعل مع الآخرين.
وفي المؤسسات أيضاً، قد تكون البداية الجيدة، والعلاقة الإنسانية، والمساحة المخصصة للحوار أهم مما نتصور في بناء فريق قادر على النمو.
فكيف يمكن أن نطلب من فريقنا أن يقدم أفضل ما لديه، إذا لم نساعده أولاً على الشعور بأنه في المكان الذي يستطيع فيه أن ينمو؟
💬 شاركنا رأيك