قد يكون ما تتمسك به هو ما يعيقك
في إحدى المناسبات، حدّثني مدير عن مشروع أمضى سنوات من عمره في بنائه. كان يستعيد بداياته بشيء من الحنين؛ الفكرة التي آمن بها، والصعوبات التي تجاوزها، والليالي التي عاد فيها إلى بيته وهو يحمل انشغالات العمل أكثر مما يحمل تفاصيل يومه. وحين انتقل إلى الحديث عن واقع المشروع، خفتت تلك الحماسة في صوته، وأخذ يصف تغير السوق وتراجع النتائج، وحالة فريقه الذي يواصل العمل دون الشغف الذي كان عنده في البداية.
كان "جواد" يدرك أن المشروع يحتاج إلى اتجاه مختلف، لكنه كلما اقترب من الحديث عن التغيير، عاد إلى ما بذله في الماضي، كأنه يبحث بين سنوات التعب عن دافع يحفزه وعن سبب يمنحه القدرة على الاستمرار.
سألته: "لو أنك ستبدأ اليوم من الصفر، بناء على تجربتك الآن، هل ستختار المشروع نفسه؟".
توقّف عن الكلام، وأطرق لحظات قبل أن يرفع عينيه ويقول بصوت هادئ: "بصراحة… لا".
تركت لإجابته بعض الوقت، ثم سألته: "وما الذي يجعلك تستمر فيه، إذن؟".
طال صمته هذه المرة، وظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة، فيها من التعب أكثر مما فيها من الارتياح، ثم قال: "لقد استثمرت فيه سنوات من عمري".
عندها بدا لي أن أصعب ما يواجهه هو أن يتخذ قراراً قد يشعر معه بأن كل تلك السنوات ضاعت. كان يستطيع أن يرى طريقاً آخر، لكنه لم يكن يعرف كيف يسلكه دون أن يشعر بأنه يتخلّى عن النسخة التي كان عليها حين بدأ، وعن كل ما احتمله كي يصل إلى هنا.
كانت إجابة "جواد" تختصر مشكلة نواجهها أكثر مما نعتقد وهي أننا أحيانا لا نستمر لأن الشيء ما زال مناسبا، بل لأننا دفعنا ثمنا كبيرا من أجله. إننا نتمسك بأشياء كثيرة في حياتنا المهنية والشخصية، ليس لأنها تساعدنا على التقدم، وإنما لأن التخلي عنها يبدو مؤلما.
فقد نتمسك بأسلوب عمل نجح معنا في مرحلة سابقة، لكنه لم يعد مناسباً للمرحلة الحالية. وقد نستمر في مشروع فقد جدواه، فقط لأننا استثمرنا فيه وقتا وجهدا ومالا. وقد ندافع عن فكرة قديمة، لا لأنها ما زالت صحيحة، بل لأننا اعتدنا عليها وأصبح التراجع عنها يشبه الاعتراف بالخطأ والهزيمة. وأحيانا نتمسك بعادة تستنزف طاقتنا، أو بمنطقة راحة تمنحنا شعورا مؤقتا بالأمان، بينما تمنعنا في العمق من النمو.
لهذا، فإن بعض أصعب القرارات المهنية ليست تلك المتعلقة بما ينبغي أن نبدأه، وإنما بما ينبغي أن نتوقف عنه فوراً. فالنمو لا يعني دائما أن نضيف شيئا جديدا إلى حياتنا، أحيانا النمو يعني أن نزيل شيئا لم يعد يخدمنا.
- أن نتوقف عن اجتماع لا قيمة له.
- أن نغلق مشروعا لم يعد مجديا.
- أن نعيد النظر في طريقة عمل اعتدنا عليها.
- أن نتخلى عن فكرة لم تعد تناسب الواقع.
- أن نترك علاقة اكتشفنا أنها تستنزفنا بلا فائدة.
- أو أن نغادر منطقة راحة طال بقاؤنا فيها.
فالتخلي ليس دائما خسارة، وليس كل ما نحمله على عاتقنا له قيمة، وليس كل ما نتركه وراءنا فشلا. بل أحيانا تكون الخطوة الأكثر شجاعة وحكمة ليست أن نتمسك أكثر، بل أن نعرف متى نترك. لأن بعض الأبواب لا تُفتح إلا عندما نمتلك الشجاعة لإغلاق باب آخر.
تأمل في حياتك، فقد تجد أن أهم سؤال لك في هذه المرحلة هو: "ماذا أحتاج أن أتخلى عنه حتى أستطيع التقدم؟" بدل : "ماذا أحتاج أن أضيف؟"
💬 شاركنا رأيك