قصتي مع الكوتشينغ
لم أكن أعرف ما معنى الكوتشينغ، ولا ما هي أدوار الكوتش أو الأدوات التي يعتمد عليها لمساعدة عملائه.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا عن نفسي: أحب مساعدة الناس، دون استثناء.
قبل أن أعرف الكوتشينغ، كنت أمارس بعض الأشياء بشكل عفوي ودون أن أعطيها اسمًا.
أتذكر أنه عندما كان يحضر الضيوف إلى بيتنا، كانت مهمتي غالبًا أن أخلق جوًا مختلفًا. كنت أبتعد عن الأحاديث التي لا تضيف شيئًا، وأفتح مواضيع حيوية مثل التربية، واختلاف الأجيال، والمنظومة التعليمية وغيرها.
كنت أطرح سؤالًا أو فكرة، وفجأة تتغير الجلسة؛ ينتبه الجميع، تتعدد الآراء، ويبدأ الحوار.
كنت أستمع باهتمام، أترك لكل شخص مساحته، وأستخدم لغة الجسد والإيماءات التي تشعر المتحدث بأنني أتابعه وأهتم بما يقول.
وفي نهاية اللقاء، كثيرًا ما كنت أسمع:
"ما سخيناش بيكم… خاصنا نعاودو هاد الجلسة."
لم أكن وقتها أعرف أن ما أفعله يمكن أن يكون قريبًا من بعض مهارات التواصل والاستماع وطرح الأسئلة التي سأتعلمها لاحقًا في مجال الكوتشينغ.
وفي مجال عملي كأستاذة، لم يكن تعاملي مع التلاميذ فقط، بل كنت أتعامل أيضًا مع أولياء أمورهم.
أتذكر موقفًا حضرت فيه أم غاضبة إلى الإدارة بسبب صورة سلبية نقلها لها ابنها عني. كانت غاضبة جدًا، ولم أكن أعرف أصلًا تفاصيل الموضوع.
استمعت إليها حتى النهاية دون مقاطعة أو دفاع عن نفسي.
وبعد أن هدأت، بدأنا نتحدث بهدوء، ثم طرحت عليها بعض الأسئلة، وقدمنا معًا معطيات ملموسة حول الموضوع. ومع الحوار بدأت الصورة تتغير، وأدركنا أن الحكم السريع لا يساعد دائمًا على فهم الحقيقة، وأن التروي والاستماع ضروريان قبل إصدار الأحكام.
وفي موقف آخر، كانت إحدى الأستاذات تواجه انتقادات من بعض أولياء الأمور بسبب نتائج أبنائهم الدراسية.
كانت الأستاذة متأثرة جدًا، وكان الموقف صعبًا على الجميع.
لم أدخل في مواجهة مع أولياء الأمور، ولم أطلب منهم أن يغيروا رأيهم مباشرة، بل طرحت عليهم مجموعة من الأسئلة جعلتهم ينظرون إلى الموضوع من زوايا أخرى.
وفي نهاية النقاش، تغيرت طريقة رؤيتهم للموقف، واعتذر بعضهم للأستاذة.
ذلك الموقف جعلني أكتشف أكثر قوة الحوار عندما يكون مبنيًا على الاستماع والأسئلة والموضوعية.
ومن المواقف التي لا أنساها أيضًا قصة أحد تلاميذي في السنة الأولى ابتدائي، كان يعاني من التأتأة ويجد صعوبة في التعبير والقراءة، وكان بعض زملائه يسخرون منه.
تحدثت مع والدته عن طريقة تعامل الأسرة معه، واتفقنا على منحه الوقت الكافي للتعبير، وعدم السخرية منه أو الضغط عليه.
وفي القسم، كنت أتركه يكمل كلامه دون استعجال، وشجعت زملاءه على التعامل معه بشكل طبيعي، كما حرصت على دمجه في اللعب والأنشطة مع أقرانه.
وبعد مدة، لاحظنا تحسنًا واضحًا في تواصله وثقته بنفسه.
هذه التجارب لم تكن بالنسبة لي "كوتشينغًا" بالمعنى الأكاديمي، لأنني لم أكن أعرف هذا المجال أصلًا، لكنها جعلتني أكتشف أن لدي ميلًا طبيعيًا إلى الاستماع، وطرح الأسئلة، وتهدئة المواقف، ومساعدة الآخرين على رؤية الأمور من زاوية مختلفة.
ثم جاءت نقطة التحول.
بالصدفة، وجدت على فيسبوك مركزًا لم أكن أعرف عنه شيئًا. كان عنوان المنشور: "أجي تشوف كيفاش".
قادني الفضول إلى الفندق الذي كان فيه الدكتور محمد عماد، وهناك تعرفت على المركز وعلى ما يقدمه.
تركت معلوماتي، ثم تواصل معي المركز بخصوص دورة تدريب المدربين.
بدأت أسأل: ماذا ستضيف لي هذه الدورة؟ وما الذي يمكن أن أستفيده منها؟
وهنا بدأت رحلتي في التعلم الأكاديمي.
لم أكتفِ بتجربة الحياة، بل بدأت أبحث عن المعرفة والأدوات، وأحجز لنفسي مكانًا في كل فرصة تعلم أجدها مناسبة.
تعلمت، وما زلت أتعلم.
ومن التدريب، دخلت عالم الكوتشينغ، واكتشفت أن مساعدة الإنسان ليست فقط رغبة جميلة، بل مسؤولية تحتاج إلى معرفة، وأدوات، وحدود مهنية، واستمرار في التعلم.
اليوم، ما زلت في بداية الطريق.
قد لا أملك بعد قاعدة كبيرة من العملاء، لكنني أملك شيئًا أعتبره أثمن: إيمانًا بأن الإنسان يستطيع أن يتغير عندما يجد المساحة الآمنة التي تساعده على رؤية نفسه بوضوح.
كل شخص وثق بي وقصدني ترك عندي أثرًا، وما زلت على تواصل مع بعض من ساعدتهم.
وأنا لا أدعي أنني وصلت.
أنا ما زلت أتعلم، وأتطور، وأبني طريقي خطوة بخطوة.
لكنني تعلمت منذ طفولتي ألا أسمح لنظرة الآخرين أن تحدد رؤيتي لنفسي.
ولهذا اخترت أن أواصل.
قصتي مع الكوتشينغ لم تبدأ يوم حصلت على شهادة…
بل بدأت قبل ذلك بسنوات، يوم اكتشفت أن مساعدة الإنسان هي شيء أحب أن أفعله.
💬 التعليقات (4)
حكايتك مع الكوتشينغ تقارب حكايتي ... استمتعت بقراءة تفاصيل سردك وخاصة الامثلة الواقعية التي تعد المؤشر على قياس الشغف وكذا الأثر .... دام لك العز والرقي
المسار الاعلامي سيساعدك بلا شك لتصلي لجمهور اوسع يستفيد من خدماتك وقبل ذلك روحك الطيبة وتعاملك الهادىء والرزين
كلماتك وسام على صدري شكرا لك ومن اعماق قلبي على كلماتك المحفزة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
شكرا للاستاذة الفاضلة على كل ما ورد في النص الذي شاركته معنا.
و انا اشاطرها الرأي في كل ما كتبت، و خصوصا في امرين اثنين:
- الأمر الأول ان شغفنا بأمر ما يحفزنا على التعلم و العطاء،
- الأمر الثاني أهمية الاستماع الهادئ، و فهم الوضع، ثم التوجيه الجيد للنقاش، تساعد على حل المشاكل.
بارك الله فيكم و حفظكم.
شكرا استاذي على تعليقك الوازن واتشرف بزيارتك لصفحتي