التعلم الذاتي في عصر التكنولوجيا

التعلم الذاتي في عصر التكنولوجيا

محمد أيت سدي امحمدلايف كوتش، كوتش تطوير مهني وقيادي · 📅 2026/09/08 · 👥 23 قارئا

بدأنا سلسلة "التعلم الذاتي والتعلم مدى الحياة" بمقال سابق بعنوان : كيف يولد حب التعلم في البيت؟، واليوم نواصل هذه السلسلة بمقال التعلم الذاتي في عصر التكنولوجيا.

. . .

ينتهي التعليم الرسمي عادة بعد حصول الشخص على مستوى تعليمي أو أكاديمي من اختياره، ما عدى إذا كانت قوانين بعض البلدان تُلزم التعليم إلى مستوى معين. وتبدأ المتعة الحقيقية للتعلم بعد انقضاء مرحلة التعليم الرسمي مباشرة، حين يقرر الإنسان تعلم شيء جديد بهدف تطوير ذاته أو تنمية قدراته أو بغرض اكتساب معارف حديثة والتدرب على مهارات دقيقة تساعده على رفع أداءه الشخصي والمهني.

فبعد انتهاء التعليم الرسمي يستطيع الإنسان أن يختار بنفسه ما يريد أن يتعلمه، ومتى يريد أن يتعلمه، ولماذا يريد أن يتعلمه. إذ لم يعد هناك منهج مفروض، ولا جدول حصص أسبوعية، ولا معلم يحدد له ماذا يقرأ وماذا يترك. بل أصبح هو، وحده، صاحب القرار.

فقد يتعلم المرء لغة جديدة أو مهارة مهنية، وقد يقرأ في الاقتصاد أو التاريخ أو علم النفس، وقد يتعلم التصوير أو البرمجة أو التصميم أو التسويق، وقد يطور مهاراته القيادية والتواصلية، كما قد يدرس مجالاً ظل يحبه سنوات طويلة ولم تتح له فرصة دراسته أكاديمياً.

وهنا يصبح التعلم أكثر ارتباطاً بالحياة؛ لأن المتعلم لم يعد يتعلم فقط من أجل اجتياز امتحان إجباري، وإنما من أجل تطوير ذاته، وتوسيع مداركه، وتحسين أدائه، وتحقيق مشروع أو إشباع فضول معرفي... وهذا هو جوهر التعلم الذاتي.

التكنولوجيا… أكبر مكتبة في متناول اليد

ربما لم يعرف الإنسان في تاريخه فرصة معرفية كالتي توفرها التكنولوجيا اليوم. في الماضي، كان الوصول إلى المعرفة مرتبطاً بمكان المكتبة، وبعدد الكتب المتاحة، وبالجامعة أو المؤسسة التعليمية، وبقدرة الشخص المادية والزمنية على الوصول إليها.

أما اليوم، فقد أصبحت آلاف الكتب والدورات والمحاضرات والمقالات والوثائق والمصادر التعليمية وأدوات الذكاء الاصطناعي متاحة في متناول اليد، بضغطة واحدة على الشاشة. كما أصبحت منصات التعلم الإلكتروني والمساقات المفتوحة عبر الإنترنت (MOOCs) واحدة من أهم أدوات التعلم الذاتي الحديثة خلال العشر سنوات الأخيرة.

فالراغب في التعلم يستطيع اختيار مساق يناسب اهتمامه، ومتابعته في الوقت الذي يناسبه، ومن المكان الذي يريده، وباستخدام الهاتف أو الحاسوب أو الجهاز اللوحي. والأهم من ذلك أن التعلم لم يعد محصوراً في مجال واحد أو لغة واحدة أو مؤسسة واحدة... بل يمكنك أن تتعلم من أستاذ في جامعة أمريكية، أو باحث أوروبي، أو خبير آسيوي، أو مدرب عربي، وأنت جالس في بيتك... بدون قيد أو شرط، وهذه فرصة معرفية غير مسبوقة، لم تُتَح لأي جيل سابق بهذا الاتساع وهذه السهولة.

التعلم الذاتي ليس عزلة

قد يظن البعض أن "التعلم الذاتي" يعني أن يجلس الإنسان وحيداً أمام شاشته، معزولاً عن أي تفاعل إنساني. لكن هذا فهم ناقص لما يجري فعلياً في التعلم الرقمي المعاصر.

فالميزة المهمة في التعلم الرقمي لا تكمن فقط في مشاهدة الدروس، وإنما في تنوع طرق التعلم والتفاعل. فالمعلومة يمكن أن تُقدَّم من خلال فيديو قصير، أو رسم توضيحي، أو إنفوغرافيك، أو تمرين تفاعلي، أو اختبار، أو عن طريق برامج المحاكاة، وغيرها من الأدوات والتقنيات المتطورة.

كما يستطيع المتعلم في كثير من المنصات أن يتفاعل مع متعلمين آخرين من دول وثقافات وخلفيات مختلفة من خلال نقاش جماعي. وهنا يتحول التعلم من عملية فردية إلى تجربة تشاركية، فقد تقرأ تعليقاً لمتعلم من بلد آخر فيجعلك تعيد النظر في فكرة كنت تعتقد أنها محسومة.

وقد تطرح سؤالاً فتأتيك إجابة تفتح أمامك باباً جديداً للبحث والاستكشاف، وقد تشارك ما تعلمته مع الآخرين، فتكتشف أنك لم تعد مجرد متلقٍ للمعرفة، وإنما أصبحت أنت أيضاً مساهماً في تداول المعرفة وصناعة المحتوى الهادف.

وهذا أحد أجمل أوجه التعلم الذاتي، أنه يبدأ فردياً بالدافع والشغف، لكنه سرعان ما يتحول إلى نسيج جماعي من الحوار والتبادل والتعلم المشترك.

الشهادة ليست الهدف دائماً

بعض الناس يحبون الشهادات، وهذا أمر مفهوم؛ فهي قد تكون مفيدة في المسار المهني أو الأكاديمي، وقد تفتح أبواباً لا تُفتح بغيرها. لكن علينا ألا نجعل الشهادة هي الهدف الوحيد من التعلم.

يمكن لشخص أن يجمع عشرات الشهادات دون أن يتغير في شيء، بينما يمكن لشخص آخر أن يقرأ كتاباً واحداً أو يتعلم مهارة واحدة فتتغير حياته المهنية أو الشخصية بالكامل.

فالقيمة الحقيقية للتعلم تظهر حين يتحول إلى سلوك، وقرار، ومشروع، وطريقة جديدة في التفكير. أما إن بقي حبيس الشهادة المعلقة على الجدار أو المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، دون أثر على الحياة اليومية، فقد يفقد جزءاً كبيراً من قيمته.

هذا المقال يعبّر عن كاتبه لا عن المنصّة بالضرورة، وكاتبه مسؤول عن دقّته وعن حقوق ما فيه من نصوص وصور.
وما يُنشر هنا للتوعية والتطوير الشخصي، لا بديلا عن استشارة مختصّ.
سياسة النشر
💬 شارك رأيك
شارك المقال:واتسابXفيسبوكلينكدإن
🎯 أعجبك ما قرأت؟

احجز جلسةً استكشافية مع محمد أيت سدي امحمد — كاتب هذا المقال.

احجز مع محمد أيت سدي امحمد

أو دع «المُطابِق» يرشّح لك الأنسب

💬 شاركنا رأيك

لا تكتب تفاصيلك الشخصية هنا — الصفحة عامّة. وإن كانت حالتك خاصّة فـاحجز جلسة.

↩︎ كل المقالات