القيادة المستدامة : ثلاثة دروس مستوحاة من المدرسة

القيادة المستدامة : ثلاثة دروس مستوحاة من المدرسة

محمد أيت سدي امحمدلايف كوتش، كوتش تطوير مهني وقيادي · 📅 2026/09/25 · 👥 27 قارئا

في المقال الأول بعنوان : ماذا يتعلم المدراء والقادة من العودة المدرسية؟، تأملنا كيف تعلّمنا العودة المدرسية أن البدايات، والثقة، والعلاقات الإنسانية، ليست تفاصيل هامشية في القيادة. لكن المدرسة تحمل دروساً أخرى لا تقل أهمية عن الدروس الثلاثة الأولى : كيف نقيّم، وكيف نكتشف الصعوبات مبكراً، وكيف نبني مساراً واضحاً للتعلم والنمو.

في المدرسة، لا يقتصر دور المعلم على تقديم الدروس. فهو يلاحظ، ويقوّم، ويوجه، ويشجع، ويحاول أن يساعد كل تلميذ على الانتقال من مستوى إلى آخر.

وفي المؤسسة كذلك، يحتاج المدير إلى ممارسة هذه الأدوار بروح قيادية، لا بمجرد منطق المراقبة والمحاسبة.

الدرس الأول: التقييم الجيد لا يكتفي بإصدار الحكم، بل يفتح طريق التحسن

في المدرسة، هناك فرق كبير بين أن يحصل التلميذ على نقطة منخفضة، وأن يفهم لماذا حصل عليها، وما الذي يمكنه فعله ليتقدم. فالنقطة وحدها تخبره بموقعه في لحظة معينة، لكنها لا تمنحه بالضرورة طريقاً واضحاً نحو التحسن.

وفي المؤسسات، يقع بعض المديرين في الخطأ نفسه عندما يجعلون التقييم السنوي أشبه بحكم نهائي يصدر مرة واحدة، بعد أشهر طويلة من الصمت.

ثم نتساءل: لماذا لا يتطور الموظفون؟

كيف يمكن لشخص أن يحسن أداءه إذا كان لا يعرف بوضوح ما الذي يفعله جيداً، وما الذي يحتاج إلى تطويره، وكيف يمكنه أن يتقدم؟

هنا يقدم الكوتشينغ درساً بالغ الأهمية: التغذية الراجعة ليست محاكمة، بل فرصة لزيادة الوعي وتحسين الاختيار والسلوك.

المدير الذي يقول لموظفه: "أنت لا تؤدي جيداً"، يصف المشكلة فقط. أما المدير الذي يقول: "لاحظتُ أن هذا الجانب يؤثر في النتيجة، ما الذي يمكننا تغييره؟ وما الدعم الذي تحتاجه؟"، فإنه يفتح باباً للتعلم والمسؤولية.

التقييم المهني الناضج لا يسأل فقط: كم حققت؟ بل يسأل أيضاً: ماذا تعلمت؟ وكيف ستتقدم؟

الدرس الثاني: اكتشف الإشارات قبل أن تتحول إلى أزمة

ليس كل تلميذ يواجه صعوبة يرفع يده طالباً المساعدة. أحياناً، تبدأ المشكلة بصمت: مشاركة أقل، شرود متكرر، تراجع في الحماس، أو تغير في السلوك... والمعلم الذي ينتبه إلى هذه الإشارات مبكراً قد يتدخل قبل أن تتعقد الأمور.

في المؤسسة، توجد إشارات مشابهة: موظف كان مبادراً فأصبح صامتاً، شخص كان متفاعلاً فأصبح يكتفي بالحد الأدنى، أو عضو في الفريق بدأ ينسحب من النقاشات والأنشطة.

لكن بعض المديرين لا ينتبهون إلا عندما تصبح المشكلة واضحة: استقالة، نزاع، تراجع في الأداء، أو فقدان ثقة يصعب ترميمه.

وهنا يتقاطع دور المدير مع دور الكوتش: ليس المطلوب أن يفسر كل تغير باعتباره مشكلة، ولا أن يمارس رقابة مستمرة، بل أن يخلق علاقة تسمح بالسؤال والإنصات والفهم.

قد يكون سؤال بسيط مثل: "لاحظت أنك أقل تفاعلاً في الفترة الأخيرة، هل هناك شيء يمكنني مساعدتك فيه؟"، أكثر فائدة من سلسلة من الملاحظات المتأخرة. فالإشارات المبكرة لا تعني دائماً وجود أزمة، لكنها تستحق الانتباه.

الدرس الثالث: البرنامج الدراسي... الطموح يحتاج إلى مسار

يدخل الطفل إلى السنة الدراسية وهو يعرف، ولو بصورة عامة، ما الذي سيتعلمه، وما الذي يُنتظر منه، وكيف ستتدرج مكتسباته.

أما في بعض المؤسسات، فقد يبدأ العام بأهداف كثيرة، واجتماعات متعددة، ومؤشرات أداء دقيقة، لكن دون تصور واضح للمهارات التي ينبغي تطويرها، أو للرحلة التي سيقطعها الفريق. وهنا يظهر الفرق بين فريق ينفذ المهام، وفريق يتعلم ويتطور.

فالقيادة المهنية لا تكتفي بتحديد ما نريد تحقيقه، بل تساعد الناس على فهم:

ومن منظور الكوتشينغ، لا تكفي الأهداف وحدها لصناعة الالتزام. فالإنسان يحتاج أيضاً إلى رؤية واضحة، وإحساس بالتقدم، ومساحة للمراجعة والتصحيح.

الفريق الذي يعرف وجهته، ويفهم معنى رحلته، ويشارك في بناء طريقه، يكون أكثر قدرة على التعلم وتحمل المسؤولية.

العودة المهنية... فرصة لبناء ثقافة التعلم

ربما لهذا السبب تستحق العودة المدرسية أن تكون مجددا مناسبة للتأمل في القيادة. فهي تذكرنا بأن التعلم لا يبدأ بالكتب وحدها، بل يبدأ بالقدرة على الخطأ، وبالتفاعل مع الآخرين، وبوجود مسار واضح للنمو.

وهذه كلها ليست قضايا مدرسية فقط؛ إنها قضايا إنسانية ومهنية.

فالمدير الناجح ليس من يطلب من فريقه أن يعمل أكثر فحسب، بل من يساعده على أن يتعلم أفضل، ويتعاون بعمق، ويتطور باستمرار، ويشعر بأن لعمله معنى.

والكوتشينغ، في جوهره، يذكرنا بأن دور القائد ليس أن يقدم جميع الأجوبة، بل أن يساعد الآخرين على اكتشاف قدراتهم، وتوسيع وعيهم، وتحمل مسؤولية اختياراتهم.

لذلك، قد يكون من المفيد أن نبدأ هذه السنة المهنية بثلاثة أسئلة بسيطة:

فكما يحتاج الطفل إلى مدرسة تساعده على النمو، تحتاج المؤسسة إلى قيادة تجعل التعلم جزءاً من ثقافتها، لا مجرد نشاط موسمي.

والمدير الذي يتوقف عن التعلم لا يفقد فرصة تطوير نفسه فقط، بل قد يفقد أيضاً القدرة على قيادة الآخرين نحو المستقبل.

هذا المقال يعبّر عن كاتبه لا عن المنصّة بالضرورة، وكاتبه مسؤول عن دقّته وعن حقوق ما فيه من نصوص وصور.
وما يُنشر هنا للتوعية والتطوير الشخصي، لا بديلا عن استشارة مختصّ.
سياسة النشر
💬 شارك رأيك
شارك المقال:واتسابXفيسبوكلينكدإن
🎯 أعجبك ما قرأت؟

احجز جلسةً استكشافية مع محمد أيت سدي امحمد — كاتب هذا المقال.

احجز مع محمد أيت سدي امحمد

أو دع «المُطابِق» يرشّح لك الأنسب

💬 شاركنا رأيك

لا تكتب تفاصيلك الشخصية هنا — الصفحة عامّة. وإن كانت حالتك خاصّة فـاحجز جلسة.

↩︎ كل المقالات