د.سعد ابونار · كوتش شخصي ولايف كوتش · الدار البيضاء
قبل دخولي إلى الكوتشنج كنت أعمل في التدريب والإرشاد النفسي والاجتماعي والأسري والتربوي، إلى جانب اهتمامي الأكاديمي بعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي. أتاحت لي هذه المسيرة أن أكون قريبا من الإنسان في مواقفه وتحدياته، وأن أرى كيف تؤثر أفكاره ومشاعره وبيئته في قراراته وجودة حياته.
ولم يكن انتقالي إلى الكوتشنج ابتعادا عن ذلك، بل امتدادا طبيعيا له. فما دفعني إليه إيماني بأن الإنسان لا يحتاج دائما إلى حلول جاهزة، بقدر ما يحتاج إلى من يساعده على اكتشاف قدراته وتحويل إمكاناته إلى خطوات قابلة للتحقق.
ومن مواقف سنتي الأولى التي لا أنساها أن إحدى الأمهات حضرت إلى المكتب برفقة ابنها. وبينما كنت معها داخل الجلسة، كان الطفل ينتظر في الخارج — حتى دخل في حالة شديدة من الانفعال انتهت بكسر زجاج المكتب. وازداد الموقف صعوبة حين فقدت الأم أعصابها وبدأت تضرب طفلها أمامي.
لم أكن أمام زجاج مكسور ولا سلوك مزعج، بل أمام مشهد حي كشف لي طبيعة العلاقة بينهما، وكيف تتعامل معه حين تشعر بفقدان السيطرة. وأدركت أن سلوك الطفل لا يفهم بمعزل عن طريقة التواصل معه، وأن بعض السلوكيات المزعجة تعبير عن احتياج نفسي أو نمط تفاعل أسري متكرر، لا مجرد عناد أو سوء تربية.
علّمني هذا أن الجلسة لا تبدأ دائما حين نجلس على الكرسي، وأن ما يحدث خارجها قد يكشف ما تعجز الكلمات عن قوله داخلها.
وكنت في بداياتي أظن أن خبرتي الأكاديمية والمهنية تمنحني قدرة أكبر على فهم المستفيد بسرعة، ثم توجيهه إلى الحل الذي أراه مناسبا. واكتشفت أن هذا الاعتقاد — على حسن نيته — ليس صحيحا في الكوتشنج. فالمعرفة الواسعة قد تتحول إلى عائق إذا جعلت الكوتش يتسرع في التفسير، أو يقدم حلا قبل أن يفهم تجربة الإنسان كما يعيشها هو.
والحل الذي يكتشفه الإنسان بنفسه أقوى أثرا وأقرب إلى التنفيذ من حل يقدَّم إليه جاهزا. فقوة الكوتش لا تظهر في كثرة ما يقوله، بل في عمق إنصاته ودقة أسئلته وقدرته على ضبط رغبته في تقديم النصيحة.
أما ما تغير عندي فليست أدواتي المهنية وحدها، بل طريقتي في رؤية الإنسان. صرت أقل تسرعا في التفسير والحكم، وأكثر قدرة على الإنصات لما وراء الكلمات. وتعلمت أن أفرق بين المساندة والسيطرة، وبين التعاطف والإنقاذ، وبين أن أكون حاضرا مع الإنسان وأن أعيش تجربته نيابة عنه. ودوري ليس أن أصنع له طريقا يشبهني، بل أن أساعده على اكتشاف الطريق الذي يشبهه هو.
وأهم ما تغير أنني صرت أكثر تواضعا أمام التجربة الإنسانية: فلا أحد يختصر في مشكلة، ولا حل واحد يناسب الجميع، والتغيير الحقيقي لا يفرض من الخارج.
ولمن يبدأ اليوم: لا تتعجل أن تثبت أنك كوتش ناجح. أنصت بصدق، وتعلم باستمرار، وثق بأن حضورك الواعي وسؤالك الجيد قد يصنعان أثرا أعمق من ألف نصيحة.