نجوى أقنين · مهندسة دولة وكوتش في التطوير الذاتي والمهني · طنجة
طوال مساري المهني كمهندسة دولة في القطاع العمومي، تدرجت في مسؤوليات استراتيجية وميدانية في التخطيط الترابي وتنمية القدرات. كنت أعمل بصدق وتفان، تحملني قيمة راسخة: أن أرى أثر كل مشروع حقيقة ملموسة تسعد المواطن وتخدم بلدي. لكنني في عمقي كنت أشعر دائما بطاقات دفينة لم تستغل بعد، وبرغبة جارفة في عطاء يتجاوز المخططات والأوراق.
ثم جاءت نقطة التحول بمحض الصدفة، في فترة الجائحة، حين التحقت ببرنامج تكويني في الكوتشنج امتد عاما كاملا. هناك وقع الانبهار الحقيقي: وجدت مساحة أعبر فيها بعفوية بلا قيود، وأعود فيها إلى ذاتي بعد سنوات من الهروب من مواجهتها. فهمت الدوافع اللاواعية التي كانت تقودني وتستنزف طاقتي: السعي إلى الكمال، وإرضاء الجميع، وبذل الجهد المضاعف، والعجلة في كل شيء. تصالحت مع نفسي فخف توتري وعصبيتي، وتوقفت عن جلد ذاتي. وأدركت أن وراء كل إنسان قصة، وجروحا طفولية، وأقنعة يرتديها، وأننا نرى العالم من خلال خريطتنا الذهنية وحدها.
ولم يمنحني الكوتشنج التوازن لأرتقي في موقعي المهني فحسب، بل أهداني أعظم تحول في حياتي كأم لطفلين: علمني كيف أربيهما بهدوء ووعي وحب ذكي. دخلت الكوتشنج باحثة عن نفسي، واستمررت فيه لأنني أؤمن أن تمكين الإنسان من الداخل هو مفتاح كل نجاح في الخارج.
وفي بداياتي وقعت في الفخ الذي يقع فيه كل كوتش قادم من خلفية هندسية وتقنية: الرغبة الجامحة في إعطاء الحلول السريعة الجاهزة بدل الإنصات وطرح السؤال.
في إحدى جلساتي التطبيقية الأولى كان أمامي شخص يمر بتخبط مهني وضغط كبير. وبدافع إرضاء الآخر وإنجاز المهمة سريعا، وجدت نفسي دون وعي أتقمص دور المهندسة التي تحلل المعطيات وتضع خطة علاجية فورية بالأرقام والخطوات. نظرت إلى عينيه فوجدت ارتباكا وانفصالا تاما — لم تكن تلك الحلول تشبهه ولا نابعة من قناعته.
في تلك اللحظة توقفت فجأة وصمتّ. تذكرت أن الكوتشنج ليس إملاء للنصائح، بل فن السؤال المولد للوعي. تنفست بعمق، وابتلعت كل الحلول التي كانت تملأ رأسي، وسألته بهدوء: لو تركت توقعات كل من حولك جانبا… أنت ماذا تريد حقا؟ صمت طويلا، ثم بدأت عيناه تدمعان وقال: هذه أول مرة يطرح علي أحد هذا السؤال، وأول مرة أسمح لنفسي بالتفكير فيه.
كان ذلك أعظم درس في سنتي الأولى: تعثرت حين أردت أن أقود السفينة بدلا عنه، ونجحت حين أدركت أن قوة الكوتش تكمن في الصمت، والإنصات الحقيقي، والسؤال الذي يوقظ صاحب الشأن ليرى طريقه بنفسه.
وسقطت معه قناعة كنت أحملها: أن مهمة الكوتش أن يملك الإجابات ويقدم خطط التغيير جاهزة، انطلاقا من عقلية هندسية تبحث عن حل سريع لكل معادلة. فالكوتشنج ليس فرضا لخرائطنا الذهنية على الآخرين، بل بناء مساحة آمنة تمكن الإنسان من رؤية واقعه بوضوح، واكتشاف إمكاناته، وتوليد حلوله التي تشبهه فيلتزم بها.
أما ما تغير عندي فعلا فهو النضج النفسي والسلام الداخلي. أدركت أن أدوات الكوتشنج وحدها ليست السر كله؛ التحول الجوهري بدأ حين اقترن الوعي بالتقرب من الله. الجلوس مع الذات والتأمل في نعم الله جعلاني أكثر يقينا بأن الرزق مقدر، وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. حررني هذا اليقين من الخوف من الفقد، وفك تعلقي الزائد بالنتائج والظروف الخارجية، فزالت العصبية وحل مكانها هدوء راسخ. صرت أكثر تفهما للآخرين بلا أحكام مسبقة، وأمارس مسؤولياتي وأعيش مع أسرتي بوعي ورضا وانسجام.
ولمن يقف اليوم حيث كنت في البداية: لا تنتظر أن تكتمل كل الظروف أو تتخلص من كل مخاوفك لتبدأ. تصالح مع ضعفك وإنسانيتك، وضع يقينك في الله، وانطلق بخطوة واحدة واعية — فالسلام والوضوح يولدان في الطريق، لا قبل خوضه.